أخي الحبيب، هذه آيةٌ من سورة «الشورى» فيها سرٌّ عظيم حولَ الرزق، ولكن ينبغي أن تتدبّر معي هذه الآية، يجب أن تفهمها وتدرك أنَّ الرزقَ مكتوبٌ، ومقدَّرٌ، ومحسومٌ، وهو عندَ الله يُعطي منه ما يشاء……
انظر معي، هذه الآية لم تبدأ بكلمة «قُلْ» أو غيرها، بل بدأت مباشرةً باسم الله: ﴿اللَّهُ﴾؛ ليدلَّك على أنَّ صاحبَ الرزق هو الله، فلم تُسبَق كلمة «الله» بأيِّ كلمةٍ أخرى.

﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ والصفة الثانية -أو الاسم الثاني- من أسماء الله هنا هو «اللطيف». فقبل أن يحدّثك عن الرزق وأسراره، أخبرك أنه -عزَّ وجلّ- لطيفٌ بك ويريد لك الخير. فلا تظنَّ أنَّ رزقك عندما يضيق أنَّ هذا الشيء سيّئٌ؛ لا، بل فيه حكمةٌ، وابتلاءٌ، وخيرٌ لك أيضًا. وأحيانًا من لطف الله بالإنسان أن يُضيّق عليه الرزق؛ ليمنعه من الفاحشةِ والبغيِ والكفر.
قارون كان رجلًا من قوم موسى، فسأل اللهَ الرزقَ فأعطاهُ اللهُ الرزقَ الكثير، أعطاهُ كنوزًا -وليس رزقًا عاديًا فحسب- تعجز الأقوياءَ عن حملِ مفاتيحها، ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ﴾، وكان مصيره: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾.

إذن، من لطف الله بالإنسان أن يمنع عنه بعض الرزق، لذلك قال: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾، ثم قال: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ﴾.
ما معنى ﴿يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ﴾؟ هل القضية عشوائية؟ لا يا أخي الحبيب، ففي الكون لا يوجد شيءٌ عَبَث، ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾، أي إنَّ كلَّ ذرّةٍ مقدّرةٌ وكلَّ شيءٍ بميزان، ولا يوجد عبثٌ في الكون أبداً.
﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾؛ تسعُ كلماتٍ فقط، ولكن لو أردنا أن نتدبّر المعنى الحقيقي لن نكاد ننتهي، ونحتاج إلى أعمارٍ فوق أعمارنا.
لماذا «يرزق من يشاء» وكيف؟ الله يقول لك في آيةٍ أخرى: ﴿ ۞ وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [ هود: 6]، ويقول أيضًا: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [ العنكبوت: 60]، يعني لن تجوع ولن تموت جوعًا، فقد ضمن الله لك الرزق، ولكن بالقدر الذي يريده سبحانه وتعالى: ﴿ ۞ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [ الشورى: 27]

الله يحبّك ويريد لك الخير والصلاح ولا يريد لك الطغيان، وقد كتب لك منزلةً عاليةً عنده في الجنة، ولكن هذه المنزلة تحتاج إلى بلاء، وبعد البلاء صبر، وإلا كيف ستستقبل قول الملائكة يوم القيامة: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾؟ كيف ستصل إلى مرتبة: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾؟.. فإذن، لا ينال هذه المنزلة إلا من كان حظّه عظيمًا جدًا وصبر صبرًا كثيرًا. وأكثر شخصٍ صبر على الإطلاق هو النبي محمدٌ ﷺ، لذلك استحقَّ المنزلة التي لا تنبغي لأحدٍ من المخلوقات إلا له ﷺ، وهي «الوسيلة» في الجنة.
لذلك أخي الحبيب، هذه الآية بالنسبة لي مريحةٌ جدًا، تريح الصدر والنفس، وتُبرِد القلب عندما تعلم أنَّ الله يخاطبك ويقول لك: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾.
هي عبارة عن ثلاثيّات:
- ثلاث كلمات: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾.
- ثم ثلاثٌ أخرى: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ﴾.
- ثم ثلاثٌ ختاميّة: ﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾.
فقل: «يا رب، أنا عبدك وأعلم أنك أنت ﴿الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾، اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمّن سواك».
ادْعُ بهذا الدعاء النبوي وتوكّل على الله، واللهُ سيختار لك الخير ولن يختار لك الشرّ أبداً.

﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾؛ إلهٌ قويٌّ قادرٌ متحكمٌ في كونه وفي كلّ شيء، وعزيزٌ؛ فإذا أردت القوة فتستمدّها من الله، وإذا أردت عزة النفس فتستمدّها من القوي العزيز.
لذلك أخي الحبيب، كلما ضاقت بك الدنيا اقرأ هذه الآية، كلما أحسست أنَّ رزقك قد ضاق ولم تعد تصبر على البلاء اقرأها، عسى أن تكون سببًا في كثرة الرزق بإذن الله: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾.
وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ﴿حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾.
يمكنكم مشاهدة الفيديو من خلال هذا الرابط: –




