أسرار من سورة الشرح ستخسر الكثير إذا لم تستفد منها الآن! إذا كان لديك ضيق في الصدر، أو شعور بعقدة الذنب، أو أمور متعسرة، فهذه السورة لك…………
إذا كنت تعاني من مشاكل وظروف صعبة جداً، فهذه السورة نزلت على النبي عليه الصلاة والسلام في أصعب الظروف التي مر بها.

في هذه الليلة المباركة، سوف نتأمل سورة الشرح، وأثر هذه السورة، والأسرار الكامنة فيها. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلها شفاءً ورحمةً وتيسيراً لكل معسر، إن شاء الله، حتى يتبين لهم أنه الحق.
السلام عليكم ورحمة الله أيها الأحبة، والله إنك ستخسر الكثير والكثير إذا لم تستفد الآن من هذه السورة العظيمة.
هذه السورة -أخي الحبيب- نزلت على نبينا عليه الصلاة والسلام في مرحلة صعبة جداً، في مرحلة كان يواجه الكفر والإلحاد والظلم والتكبر، يواجه الجهل، يواجه عقولاً متخلفة تآمروا على قتله، اتهموه بالجنون، اتهموه بالتخريف، اتهموه بأنه يأتي بكلام أساطير، كذبوه مع أنه يريد لهم الخير!
في هذه المرحلة الضيقة جداً -الحقيقة والتي لا يستطيع أحد منا أن يتحملها على فكرة- مهما كانت ظروفك صعبة، لن تصل إلى جزء مما مر به هذا النبي الكريم.
في ظل هذه الظروف الصعبة، أنزل الله عليه هذه السورة العظيمة: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}، يعني يا محمد صلى الله عليه وسلم: لماذا الحزن؟ لماذا الهموم؟ لماذا الضيق؟ لماذا التأسف على هؤلاء؟
ألم نشرح لك صدرك؟ من الذي شرح صدرك للإسلام؟ من الذي أنزل عليك أعظم كلام على الإطلاق (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلًا)، كلام الله عز وجل؟ من الذي جعل صدرك مطمئناً بذكر الله؟
ألم نشرح لك صدرك؟
لذلك حتى تتذوق لذة هذا الكلام، يجب أن تعيش هذه الآيات، ويجب أن تعتقد أن الله عز وجل يخاطب بهذه الكلمات حبيبه محمداً، ويخاطب أيضاً كل من رضي بهذا الحبيب نبياً ورسولاً.
ما دمت أنا رضيت بهذا النبي الكريم نبياً ورسولاً، وهو قدوة لي، وهو أسوة أتأسى به، إذاً وأنا أحببت هذا النبي الكريم أكثر من نفسي وأكثر من أهلي وأكثر من الناس أجمعين، إذاً هذا الخطاب يعنيني أنا أيضاً؛ لأنني أنا من أتباع هذا النبي الكريم.

وهذه السورة -على فكرة- وكذلك القرآن كله، لم ينزل فقط للنبي أو الصحابة، لا لا أبدا. بعض الناس يتخيل في دماغه وهو يقرا القرآن أن هذه الآيات تخاطب أناساً من قريش، أناساً من الصحابة، فهو يعني كأنه بعيد!
لا، القرآن يخاطبك أنت الآن وأنت جالس الآن تقرا هذه الآيات أو تسمع هذه الآيات، فهذه الآيات تخاطبك.
من الذي شرح صدرك للإسلام؟
ماذا يحدث لو كنت ملحداً؟ بالله عليك، انظر إلى حال الملحدين؛ يعيش في كبت وأسى، منبوذ اجتماعياً. الملحد الذي لا يؤمن بالله سبحانه وتعالى، الذي حرم انشراح الصدر، لم يشرح صدره للإسلام أو للقرآن، تجد حياته مضطربة!
إذا ظلم، ليس لديه ما يلجأ إليه إلا الطبيعة العمياء! إذا مرض، ليس لديه من يدعوه، ليس لديه إله يدعوه! إذا ضاق رزقه، من الذي ينقذه؟ إذا تعرض لأذى أو حادث أو شر… لذلك الملحد يعيش حياة وحيدة، وحيد، عزلة قاتلة، يشعر بالوحدة، لذلك تكثر الاضطرابات في دماغه وتكون حياته أشبه بالجحيم!
فأكبر نعمة منّ بها عليك -أخي الحبيب- أنه شرح صدرك للإسلام ( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) .
وهذا هو السر الأول: أن هذه السورة تزيل عنك ضيق الصدر، تزيل عنك الهموم.
يعني أنا عندما تتراكم علي الهموم حقيقة، وكل إنسان لديه هموم على فكرة -يعني القضية لا تتعلق بأنسان فقير أو غني، كبير أو صغير، إنسان ضعيف أو قوي، لا، الكل لديه هم: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ}، لابد أن يعاني- فعندما يضيق صدري بشيء معين نتيجة هم معين، أقرأ هذه السورة، والله أيها الأحبة أشعر وكأن الجبال من الهموم قد أُزيحت من على كتفي!
( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ).
طبعاً نبينا عليه الصلاة والسلام، هل كان يحمل أوزاراً؟ هل كان يحمل ذنوباً حاشاه، وهو المعصوم صلى الله عليه وسلم؟ ولكن، كما قلت لكم، هذه السورة تخاطبنا نحن أيضاً؛ فأوزارنا كثيرة، والوزر هو الذنب عندما يتراكم على الإنسان يشعر بعقدة الذنب، تجد أن حياته أصبحت تعيسة جداً.

فالذي يزيل عنك هموم الذنوب، والذي يغفر لك هذه الذنوب، هو الله سبحانه وتعالى.
( الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ )
الحقيقة، كثرة الذنوب والأعباء تهلك الإنسان، والآية هنا -كما قلت لكم- بالنسبة للنبي عليه الصلاة والسلام تعني أن نبينا كان يحمل أعباء الدعوة إلى الله، لدرجة أنه يكاد يهلك نفسه خوفاً على هؤلاء الكفار، يريد أن يهديهم، يريد أن ينقذهم من نار جهنم!
لذلك قال له الله تعالى ( فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) فالنبي كان حريصاً جداً على هداية البشر، حتى الملحدين وحتى الذين آذوه واستهزءوا به كان حريصاً على هدايتهم.
فإذاً أيها الأحبة، السر الأول الذي أريدك أن تعلمه، أن هذه السورة هي الشفاء لضيق الصدر، شفاء لمن تراكمت عليه الذنوب، يتذكر أن هناك إلهاً يغفر الذنب. يقول لك: ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ ) .
ولم يقل غفور، بل قال (غفّار)، صيغت صيغة فيها مبالغة؛ يعني هناك مغفرة متكررة، حتى لو كانت ذنوبك كأمثال الجبال يغفرها الله ولا تبالي، بشرط ألا تشرك به شيئاً سبحانه وتعالى.

السر الثاني: التيسير
بالله عليك، من منا اليوم ليس لديه قضية متعسرة في بيتي، مع أولادي، في عملي، في دراستي، في حياتي بشكل عام؟ لا بد أن تكون هناك الكثير من المشاكل.
فقبل أن نتأمل سر التيسير، الله يقول لحبيبه: ( وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) .
ما معنى ورفعنا لك ذكرك؟ يعني اليوم كم مرة يذكر اسم النبي عليه الصلاة والسلام كل يوم؟
اليوم، في عام 2026، كم مرة كم مرة يؤذن ويذكر اسم النبي: (أشهد أن محمداً رسول الله)؟ كم مرة تصلي على النبي في الصلاة؟ كم مرة تقرا القرآن وتقول محمد رسول الله؟
مليارات المرات كل يوم، كل يوم مليارات المرات يتردد اسم هذا النبي! بل هو الاسم الأكثر تكراراً بعد اسم الله على الألسنة. تخيل معي كيف رفع الله ذكر هذا النبي!
هذا الإله قادر أن يرفع ذكري، أن أكون حسن الذكر بين الناس، أن يبعد عني السمعة السيئة، ونحن كلنا نحتاج للذكر الحسن. القضية ليست طعاماً وشراباً فقط، كل انسان يحتاج ليشبع هذه الروح أن يكون له ذكر حسن بين الناس، هذا أهم من المال وأهم من الطعام والشراب على فكرة، أن تشبع هذه الروح هذه النفس فيكون لديك ذكر حسن، وتكون مرفوع الذكر وتذكر بين الناس بالخير.

{فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}، أي أن هذا الإله الذي شرح صدرك وأزال عنك الذنوب والهموم وأعطاك هذا الذكر الحسن بين الناس وفي السماء أيضاً ورفعنا لك ذكرك هذا على مستوى الدنيا، ولكن في السماء الله يذكرك الآن كلما ذكرته؛ أليس الله عز وجل هو القائل في الحديث القدسي: “أنا عند ظن عبدي بي، إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم”، وهو الملائكة؟ . هل تعلم أنك كلما وقفت للصلاة وقلت: (بسم الله الرحمن الرحيم)، هذا ذكر، فإن الله يذكرك في ملأ هو الملائكة حملة العرش؟ ما رأيك؟ هذا رفع للذكر أيضاً!
فمن نتائج انشراح الصدر وزوال الذنوب التي أهلكت هذا الظهر واتعبت هذا الظهر، أن يرفع الله ذكرك وأن ييسر أمرك.
{فَإنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}، يعني يقول لحبيبه عليه الصلاة والسلام: هؤلاء المشركون لا يستجيبون لك، هؤلاء يتهمونك بالجنون وبالأساطير ({وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا})، اتهموه بكل شيء، اتهموه في نسبه، في أخلاقه، وعلى الرغم من ذلك الله يقول له: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}، يعني انتظر الفتح سياتي، الناس سيدخلون في دين الله أفواجاً، ولكن ان مع العسر يسراً، يعني القضية تحتاج إلى صبر.
هذه الآية يجب أن تستيقن أنها تخاطبك أنت أيضاً، من الخطأ أن تعتقد أن هذه الآية موجهة للنبي فقط، لا لا أبداً.
{فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} تخاطبني وتخاطبك وتخاطب كل إنسان آمن بهذا القرآن.
بعض الناس قد لا يستيقن، فيأتي التأكيد: ( إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) .
فالعسر هنا جاء بصيغة التعريف (العسر)، يعني محدد، بينما اليسر جاء بصيغة تسمى النكرة (يسراً)، غير معروف اليسر.

لاحظ معي أخي الحبيب، لم يقل: (إن مع العسر اليسر)، لا، قال: {إن مع العسر يسراً}، يعني عسرك محدد؛ أنا لدي مشكلة الآن وأيام وأنا أفكر وأحاول ولكن هذه المشكلة -سبحان الله- استعصت على الحل، لم ييسر الله حلها، فهي أمر متعسر، هي عسر محدد. فعندما قال لك: {فإن مع العسر} (العسر يعني المحدد هذا، مثلاً لدي مشكلة في الرزق، مشكلة محددة)، {يسراً} (من دون أداة تعريف، يسراً تشمل آلاف الأنواع من التيسير).
يعني لا تظن أن الله سييسر فقط هذه المشكلة أو هذا العسر، بل هناك أمور أنت لم تكن تخطر ببالك سييسرها الله، وهناك هموم في المستقبل سييسرها الله قبل أن تحدث، وهناك تيسير قد كتبه الله، ولكن عليك أن تنتظر تحقق هذا التيسير.
حتى صياغة الآية هنا، لم يقل مثلاً: (بعد العسر يسراً)، لم يقل إنه سيحدث اليسر لا، قال: {مع}، {مع}!.
ما معنى (مع)؟ يعني أنا الآن لدي مشكلة في الرزق، ضيق في الرزق، وأحتار من أين سآتي بهذا المبلغ لأسد به ديوني أو حوائجي -مثال-. بمجرد أن قرأت هذه الآية واعتقدت بها واستيقنت بصدقها وقلت: {فإن مع العسر يسراً}، معنى ذلك أن اليسر موجود مع العسر، موجود الآن! يعني الحل موجود، ولكن الله سبحانه وتعالى يظهر هذا اليسر إلى عالم الوجود في اللحظة التي يراها هو مناسبة.
لماذا؟ لأن العسر الآن -أخي الحبيب- الذي تعاني منه له فوائد كثيرة، يقربك إلى الله؛ أنت الآن تكثر من الدعاء كل يوم، كل يوم تدعو، وكل يوم يرفع الله درجتك عنده، فالله يحب أن يسمع دعاء عبده، يحب أن يبتلي عبده ليختبر صدقه مع الله سبحانه وتعالى.
وبالتالي، لو يسر الله لك حل هذه المشكلة الآن لكان فيه شر! ربما يكون فيه شر لك، لا، يؤخر إلى أجل مقدر: {وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ}، تماماً مثل آية الرزق: ( وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ) . لو استجاب الله لك الدعاء الآن وأنزل عليك هذا الرزق ربما تبغي، ربما تنسى، ربما تغفل، ربما تلحد، ربما تدخل في طريق الفاحشة والعياذ بالله، كما نرى كثرة المال ماذا تفعل بالبشر!
فيؤخر الله لك هذا اليسر -مع أنه (مع العسر) موجود، قُدّر وكتب- ولكن كتب معه اللحظة التي سيحقق الله فيها هذا اليسر، فيختار لك الله اللحظة التي تصلحك وتناسبك، لأن الله قال عن نفسه: { إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، وقال أيضاً: ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) .
فإذاً هنا، أنا عندما أعتقد أن اليسر قد تحقق -بإذن الله- إذن القضية تحتاج إلى وقت فقط، فهذا يجعلني أطمئن وأنزع من صدري هذه الهموم، فينشرح الصدر أكثر: ( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) .

السر الثالث: العبادة والتوجه الدائم لله
في قوله تعالى في الآيتين الأخيرتين: ( فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ) .
ما معنى فانصب؟ يعني إذا فرغت من العبادة، ارجع واعبد الله. فرغت من قراءة هذه السورة، اقرأ سورة أخرى. فرغت من فعل الخير، افعل خيراً آخر. أشغل وقتك دائماً إما بالخير، بالكلمة الطيبة، بالعمل الصالح، بتلاوة القرآن، بالصلاة، بالزكاة، بالصدقات، كل أعمال البر يجب أن تتحول حياتك إلى عمل دائم، حتى في الليل قيام الليل، في النهار تساعد الناس، تخدم الناس، تبر أبويك، بر الأبوين وهكذا.
{فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب}؛ يعني دائماً ارغب بما عند الله، دائماً فكر بما عند الله، لأنك إذا بدأت تفكر بما عند الله تهون عليك مصيبتك في الدنيا، لأنك مجرد أن فكرت بلقاء الله مثلاً، وكيف أن هذا الإله العظيم قد أعد لك جنات تجري من تحتها الأنهار، وكيف أن الملائكة الكرام يوم القيامة ستقول لك: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَدَّارِ} يوم القيامة.
فكر بعطاء الله، فكر بكرم الله سبحانه وتعالى، فكر أن الله يحبك. وإلى ربك فارغب، ارغب بشكل دائم؛ هذا الفعل هو الذي ييسر لك أمرك.

إذاً، حتى تضمن تيسير الأمر لا بد من العبادة أيضاً، أن تشغل وقتك بالعبادة، لأنك إذا لم تشغل وقتك بذكر الله والعبادة والعمل الصالح وفعل الخيرات (مثل كل الأنبياء أنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين)، فإذا ما وصلت إلى هذه المنزلة، فإنك أصلاً لن تفكر بالمصيبة أو المشكلة التي أنت فيها، ستسلمها لله عز وجل، ستتوكل على الله، تستيقن أن اليسر قادم بإذن الله سبحانه وتعالى فترتاح، وهو المطلوب!
إذًا، هذه السورة تريح القلب وتريح العقل، وتيسر الأمر، وتشفيك من ضيق الصدر. ماذا تريد أكثر من ذلك؟!
نسأل الله عز وجل أن يعلمنا ما ينفعنا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حتى يتبين لهم أنه الحق.
يمكنكم مشاهدة الفيديو من خلال هذا الرابط : –




