» أسرار الإيمان واليقين

سورة الماعون العبادة التي تنعكس على أخلاق المجتمع

ما معنى: أرأيت الذي يكذب بالدين، فذلك الذي يدع اليتيم؟ وما معنى: ولا يحض على طعام المسكين؟ وماذا يريد الله سبحانه وتعالى عندما قال: «ويل للمصلين»؟ وما معنى: الذين هم عن صلاتهم ساهون؟ ماذا يعني ساهون؟ «الذين هم يراءون».. ما معنى يراءون؟ «ويمنعون الماعون».. ما هو الماعون؟

اليوم أحبتي في الله سنتأمل سورة الماعون؛ سورة عظيمة جداً للأسف تنطبق على كثير ممن حولك أخي الحبيب، ولكن للأسف نغفل وننسى ونتجاهل حتى يأتي الموت فجأة، فنصدم بحقائق لا ينفع معها الندم: ﴿وأنذرهم يوم الحسرة﴾.

لككي تتجنب ذلك اليوم، افهم معنى هذه السورة. سورة الماعون من السور العظيمة، وفيها ألفاظ غريبة حقيقة.

أرأيت الذي يكذب بالدين؟ اعتبر أن هذه الآيات تخاطبُك أخي الحبيب، لأن القرآن لم ينزل فقط للنبي. على فكرة، نبينا عليه الصلاة والسلام تلقى القرآن وخاطبه الله به، ولكن الخطاب ممتد لمن آمن بهذا النبي، ولمن أحب هذا النبي، ولمن تبع هذا النبي: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتباعوني يحببكم الله﴾. فاعتبر أن الله يخاطبك، يقول لك: أرأيت الذي يكذب بالدين؟

ما معنى يكذب بالدين؟ وما هو الدين؟ الدين أصلاً في اللغة هو القانون؛ لأن الله يقول في سورة يوسف: ﴿  مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾، بمعنى أن الملك لم يكن مسلماً، ولكن له قانون. القانون يمنع أن تأخذ شخصاً بريئاً إلا بجريمة أو تهمة مثبتة عليه؛ فالدين هو القانون الذي وضعه الله. ما معنى أن الدين عند الله الإسلام؟ يعني القانون المعتمد عند الله هو الإسلام. ولكن ملحد له دين، دينه الطبيعة، والذي يعبد النار له دين دينه النار، والذي يعبد الشمس أصبح دينه هو الخرافات والأساطير والسجود، هذا دين له السجود للشمس:  ﴿ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ [ النمل: 24]

إذن، أرأيت الذي يكذب بالدين؟ يعني: ألم تر إلى هذا الذي يكذب بما أنزل الله؟ تقول له الكذب حرام فيقول لك: لماذا؟ لا يؤمن، يكذب. تقول له يا اخي الله يقول لك أقم الصلاة، ولا يستكبر كأن لم يسمعها، كأن في أذنيه وقراً، كأن في أذنيه حاجزاً منيعاً يقف أمام كلام الله سبحانه وتعالى. مثل هذا الإنسان كثير منه اليوم للأسف.

طيب، أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم؟ مثل هذا الإنسان الذي لا يؤمن بالدين ويكذب بالدين، يدع اليتيم، يطرد اليتيم، يحتقر اليتيم، لا يطعم اليتيم، لا يكرم اليتيم، يأكل مال اليتيم.. ضع ما شئت من معانٍ كلها ضد هذا اليتيم: ﴿ أَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ (1) فَذَٰلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلۡيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ (3) ﴾. لا يأمر بطعام المسكين، لا يتواصى بإطعام المسكين، لا يهتم بالمساكين أصلاً. لاحظت؟ بسبب أنه يكذب بالدين أدى به إلى هذه الكوارث. ﴿ فَذَٰلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلۡيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ (3) فَوَيۡلٞ لِّلۡمُصَلِّينَ (4) ﴾.

الويل هو وادٍ في جهنم والعياذ بالله، وهو العذاب والثبور للمصلين. معقول؟ المصلين لهم ويل؟! ولكن هنا المصلين لهم تعريف أخي الحبيب، من هم؟ الذين هم عن صلاتهم ساهون. ما معنى الساهي؟ غافل، معرض. لا، ساهون في غفلة شديدة عن الصلاة، وقال: “عن صلاتهم”، يعني كأن الدين في عنقك، صلاتك هذه الصلاة هي التي أول ما تحاسب عليه. الذين هم عن صلاتهم ساهون.. ليس بمعنى أنه متكاسل أبداً، بمعنى أنه شغلته الدنيا لدرجة أنه لم يعد يتذكر الآخرة، ولا يتذكر الله، ولا يتذكر كلام الله، ولا يتذكر إلا الدنيا. انغمس.. ساهون يعني منغمسون في هذه الدنيا والعياذ بالله. نسوا الله فنسيهم.

﴿ ٱلَّذِينَ هُمۡ يُرَآءُونَ (6) وَيَمۡنَعُونَ ٱلۡمَاعُونَ (7) ﴾ إذن، الذين هم فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم يراءون. ما معنى يراءون؟ يراءون من المراياء، يعني يتصدق من أجل أن يققال عنه كريم (شهرة)، يقرأ القرآن ليقال إنه قارئ، يعلم العلم ليقال عالم، ليس ابتغاء وجه الله. هو يدعي أنه يعمل من أجله ولكنه في حقيقته منافق. يراؤون يعني يجعل الناس من حوله -يعني يجعل كل شخص من حوله- يرى أعماله الخيرة، هو يهدف لأن يرى الناس هذا العمل ويمدحون به. ولكن النبي قال عليه الصلاة والسلام: ( صدقة السر تطفئ غضب الرب )، وأعلى أنواع الصدقة أن تتصدق بصدقة فتخفيها حتى لا تعلم شمالك ما أنفقت يمينك. فإذاً، أي عمل تبتغي به الدنيا والشهرة والمال والمجد والسمعة وكذا، هذا مردود عليك، ليس له أجر لأنك أخذت أجرك في الدنيا.

ما معنى ويمنعون الماعون؟ الماعون أي وسيلة.. على فكرة هذه الكلمة لا يوجد غيرها في القرآن، فقط مرة واحدة في سورة الماعون، سبحان الله، لم تذكر أبداً في القرآن، حتى يعني إنسان يمكن أن يصله خير من شخص يمنعه. يا أخي اليوم هناك أشخاص يمنع عنك حتى الابتسامة! مناع للخير، لا يتبسم والنبي صلى الله عليه وسلم كان دائم التبسم، كان يقول: «وتبسمك في وجه أخيك صدقة». تصور معي! فحتى أي عطاء يمنعه، يمنع الماعون، يمنع أي إعانة أو عن شخص، يعني حتى لو كان جالساً في مكان يستطيع أن يقدم خدمة للاخرين يمنعها عنهم. سبحان الله، مثل هذا الإنسان ماذا له؟ الويل.. هذا له الويل.

وهنا تصحيح بسيط أخي الحبيب: الإنسان الذي هو متكاسل عن الصلاة مع شعور بتأنيب الضمير، هذه السورة ليست له على فكرة؛ لأن مثل هذا الإنسان يكون محباً للخير، يخاف من عذاب الله، ولكن غلبه الهوى، غلبته نفسه، غلبه الشيطان، نسي. مثل هذا الإنسان يعطي اليتيم، يتصدق، يفعل الخير. إذن هذه السورة لا تستهدف من هو متكاسل عن الصلاة لكي -يعني لا يفهم البعض أن كل من يتكاسل عن الصلاة يكون له الويل- لا! التكاسل عن الصلاة هو ذنب عظيم، ولكن إذا كان في داخله الإنسان يحب الصلاة ويحب الله ولكن -يعني يا رب الشيطان يغلبني، الظروف كذا- مثل هذا الإنسان الله يتوب عليه. الله يتوب عليه ليه؟ لأن الله ينظر إلى القلب وليس إلى الشكل، إلى القلب! فإذا كان قلبك نقياً محباً لله..

يعني الأعرابي -أختم بهذه الحادثة- الذي لم يكن لديه عمل ولا كثير صيام ولا قيام، يعني أعرابي بسيط جداً، يعني قال للنبي: ألا إنني أحب الله ورسوله، ما عندي غير هذا الشيء، ما عندي شيء! أحب الله ورسوله. هل تعلم ماذا قال النبي؟ لم يحدثه عن شروط الزكاة وشروط الحج وفرائض كذا، لا لا لا، قال: «أنت مع من تحب». يا أخي شوف بساطة الإسلام، انظر إلى البساطة في الإسلام، ما في تعقيدات كما يعتقد البعض من يفهم الإسلام فهماً حقيقياً بسيطاُ.. دين بسيط، دين يعني شخص قد يتبع الشهوات طول عمره، ولكن قلبه يعني فيه خير، فيه حب لله، الله يتوب عليه حتى لو قبل الموت بثانية. القلب القلب! أنظر إلى قلوب الناس ولا تنغر بالمظاهر والصور والأشكال.

فإذاً، هذه السورة فيها تحذير لشخص غافل عن الصلاة، منغمس في الشهوات، يمنع الخير، يمنع الخير عن اليتيم، يطرد اليتيم، يؤذي اليتامى.. شخص يعني مجرم! تتحدث عن شخص مجرم، هذا له الويل؛ مكذب مستكبر.


يمكنكم مشاهدة الفيديو من خلال هذا الرابط : –

 

 

تحميل كتب الإعجاز العلمي

صفحتنا الجديدة على فيس بوك