» أسرار الإيمان واليقين

تعليم الطفل لغة القرآن في بيئة غير عربية: خطة أسرية

لدي طفل لم يتعلم اللغة العربية بسبب وجوده في دولة غير عربية، وأريد أن أعلمه اللغة العربية ليفهم القرآن، فكيف العمل؟

القضية سهلة جداً أخي الحبيب؛ فمن لديه طفل، فإن نصيحتي له تتلخص في معلومة علمية: الطفل منذ أن يكون جنيناً في بطن أمه، هو يسمع ما يدور حوله ويسمع كلام أمه، ويتأثر بالذبذبات الصوتية. فيجب على الأم منذ الحمل أن تستمع للقرآن الكريم لأطول مدة ممكنة حتى وهي نائمة؛ لأن هذا الجنين يتأثر ويتفاعل، وهناك دراسة علمية أثبتت ذلك.

طيب، بعد أن يخرج هذا الجنين إلى الحياة، يجب أن نُسمعه صوت القرآن؛ لأنني عندما أقول: “لغة عربية” فمعناها: “قرآن”، ولولا القرآن لضاعت اللغة العربية. فإذاً، الاستماع للقرآن ضروري جداً. يعني هذا الطفل، بدلاً من أن ينام في الفراغ، ينام وصوت القرآن يعمل بهدوء؛ اتركه يعمل ليلاً ونهاراً، لأن الدماغ يبقى في حالة عمل أثناء النوم، وهذا أيضاً اكتشاف جديد؛ فالعلماء الآن يحاولون أن يعلّموا الأطفال لغات جديدة أثناء النوم وهو نائم، لأن الدماغ يحافظ على نشاطه وحاسة السمع تبقى تعمل.

وهنا إشارة قرآنية رائعة جداً: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [ الروم: 23] ؛ يتحدث عن النوم بالليل والنهار وابتغائكم من فضله، ثم قال: {لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ}، فرَبَطَ بين النوم والسمع! إذاً حاسة السمع تبقى في حالة عمل أثناء النوم في الليل.

فعندما تضع صوت القرآن فأنت هنا أنجزت نصف العلم ونصف التعليم بسهولة. فخلال تعاملك مع هذا الطفل، لا تحرم طفلك -وأنت في دولة غير عربية- من كلمات تقولها له، وآيات يقرؤها كل يوم. والأطفال يستوعبون اللغة ويحفظون القرآن بسهولة، ويمكن أن تقوم بمشروع لحفظ القرآن؛ فأنا أرى أن حفظ القرآن هو أفضل وأقوى وأسهل طريقة لتعلم اللغة العربية، ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [ سورة القمر: 17].

والآباء والأمهات: لا تفرحوا كثيراً عندما يتعلم ابنكم لغة غير لغته العربية، لأن اللغة العربية -أخي الحبيب- هي لغة النبي صلى الله عليه وسلم، ولغة القرآن، ولغة أهل الجنة، وهناك رأي يقول إنها لغة سيدنا آدم، وأنا مقتنع بهذا الرأي: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا}.

فاللغة العربية تعني: القرآن. فكيف نجعل هذا الطفل يحفظ القرآن؟

أولاً: من خلال تكرار هذه الآيات باستمرار، وهذا برنامج عملي.

ثانياً: نحاول أن نذكّره ببعض الآيات باستمرار؛ كأن نقول له مثلاً: “قل هو الله…”، فيقول هو: “أحد”. ميزة الإكمال التلقائي موجودة في جوجل والمواقع الأخرى، وهي في الأصل مأخوذة من سلوك الأطفال؛ فحاول أن تقرأ كلمتين من الآية، فتقول له مرة: “قل هو الله أحد”، فيقول: “أحد”، وبعد 10 مرات تقول له: “قل هو…”، فيقول: “الله أحد”، وفي المرة الأخيرة تقول: “قل”، فيقول: “هو الله أحد”، ثم يقرأ الآية كاملة.

عندما تُدخل في دماغه أكبر عدد من الآيات دون أن ترهق هذا الطفل، يمكنك أن تُحبّبه بالقرآن عبر حكاية القصص له؛ احكِها له باللغة التي يفهمها أولاً، ثم في المرة القادمة احكِها له باللغة العربية:

قصة سيدنا نوح: كيف صبر على قومه كثيراً، وكيف أن الطوفان أخذ الكافرين وأنجى الله المؤمنين بسبب إيمانهم بالله.

سيرة النبي صلى الله عليه وسلم: حَبِّب له قصة النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف كان رحيماً، وكيف عاش يتيماً، وكيف كان أكرم الناس.

قصة سيدنا آدم: حَبِّب إليه قصصاً غريبة نوعاً ما بالنسبة له، مثل قصة سيدنا آدم وكيف أسجد الله له الملائكة تكريماً له، وتقول له: “لذلك يا بني أنت كريم عند الله”. فيسألك: “لماذا خلقني الله يا أبي؟”، فتقول: “خلقك لأنه يحبك ولأنه يريد لك السعادة”، وتقرأ له آية وسط الحديث: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}؛ التكريم هنا يا بني لكل البشر ولكل بني آدم، حتى الكافر كرمه الله: ﴿ ۞ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [ الإسراء: 70] ؛ فضلهم على البهائم والكائنات. انظر إلى هذه الكائنات كيف أن حياتها تعيسة وليس لها مأوى وحياتها قاسية، بينما الإنسان أكرمه الله باللباس: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [ الأعراف: 26].

علّمه التقوى، وعلّمه حب الخير، وترجم له بعض أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم مثل: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه). فعندما يحب الطفل هذه القصص وهذه التعاليم، ويحب شخصية النبي، سيحب اللغة التي نطق بها النبي.

يعني لا تجعل الطفل يكرر المعلومات دون فهم، بل اجعله يخشع ويتدبر. وحَبِّب إليه الصلاة ولا تجبره عليها؛ ففي الإسلام الإكراه ممنوع، يقول تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} لا لطفل ولا لكبير، ولكن بالحب: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ}. أحياناً قد يحتاج الطفل إلى تنبيه خفيف (ضربة خفيفة جداً) تجعله يقفز إلى الصلاة، أما العنف والإكراه فسينقلب إلى أثر سيئ في المستقبل وربما يكره الإسلام. اتركه مع الدعاء، فالدعاء مهم جداً لهذا الطفل لأن الله يستجيب دعاء الوالدين.

والشيء الثاني: اجعله في بيئة محفوفة بتعاليم القرآن وصوت القرآن يملأ حياته دائماً. واعتمد طريقة المقارنات؛ قل له مثلاً: “انظر إلى فوائد الصدق، وانظر إلى فلان لأنه يكذب ماذا حل به، وفلان لأنه صادق كيف نجح وأصبح أكثر إبداعاً وتوفيقاً”.

لذلك أخي الحبيب، أنا أقول دائماً: حبّبوا أولادكم بالقرآن، وحبّبوهم بسلوك النبي والأخلاق الحسنة، كإكرام الجار وإكرام الضيف، حتى تضمن أن تُنشئ هذا الطفل على أخلاق القرآن وأخلاق النبي، وتحببه بتعاليم الإسلام، وهو تلقائياً سيحب اللغة العربية التي هي لغة القرآن.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلّمنا وإياكم العلم النافع، وأن ينفعنا بما علّمنا، إنه سميع قريب مجيب. نسأل الله عز وجل أن ينفعنا بهذه المعلومات، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته… {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}.


يمكنكم مشاهدة الفيديو من خلال هذا الرابط : –

 

تحميل كتب الإعجاز العلمي

صفحتنا الجديدة على فيس بوك