دعاء نبوي عظيم علَّمه الرسول الكريم لمعاذ رضي الله عنه، ووعده أن الله يقضي به الدَّين مهما بلغ… لنتأمل هذا الدعاء ونتدبر معانيه.

دعاء واحد يقضي الله به ديونك وإن كانت مثل الجبل… هذا الأمر تعهَّد به حبيبنا صلى الله عليه وسلم، وعلَّمه لسيدنا معاذ رضي الله عنه، فقال له: ألا أعلِّمك دعاءً تدعو به لو كان عليك مثل جبل أُحدٍ دَيناً لأدَّاه الله عنك؟
إنه حديث عظيم يبعث الأمل في قلب كل مؤمن، لأن كثيراً من الناس إذا أحاطت بهم الديون ضاقت صدورهم، وظنوا أن الفرج بعيد، ولكن المؤمن لا ييأس من رحمة الله، لأن الله تعالى على كل شيء قدير.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(اللَّهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممّن تشاء، وتعزُّ من تشاء، وتذلُّ من تشاء، بيدك الخير إنَّك على كل شيءٍ قدير، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما تعطيهما من تشاء، وتمنع منها من تشاء، ارحمني رحمةً تغنيني بها عن رحمة من سواك).
هذا الدعاء يضعك مباشرة أمام عظمة الله تعالى… فأنت عندما تقول: (اللهم مالك الملك) تستحضر أن الله هو مالك كل شيء، وأن ديونك مهما عظمت لا تساوي شيئاً أمام ملك الله سبحانه وتعالى… فالله هو الذي يملك السموات والأرض، ويملك الرزق كله، ويملك الخير كله، ولذلك قال تعالى:
{قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 26].
[صورة مقترحة هنا: جبل كبير أو جبل أُحد أو مشهد جبلي قوي يرمز إلى ثقل الدَّين]
تأملوا معي هذا المعنى… لو كان الدَّين مثل الجبل، فكم تبلغ قيمته؟ لو حوَّلنا وزن الجبل إلى ذهب أو مال لبلغ مليارات المليارات… ومع ذلك فإن الله لا يعجزه شيء، لأنه سبحانه هو القائل:
{إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 26].
ولذلك فإن المؤمن عندما يدعو بهذا الدعاء لا يردده بلسانه فقط، بل يجب أن يفهمه ويستيقن به… يجب أن يشعر أن الله قريب منه، يسمعه، ويراه، ويعلم حاله، ويعلم ضعفه، ويعلم حاجته… والله تعالى يقول:
{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16].
إن المشكلة عند كثير من الناس أنهم يدعون الله بألسنتهم، ولكن قلوبهم معلقة بالناس… يظنون أن الرزق بيد فلان، أو أن الفرج عند فلان، أو أن الناس هم الذين يملكون النفع والضر… بينما هذا الدعاء يربي في قلبك حقيقة عظيمة وهي أن الملك كله لله، والعطاء كله لله، والمنع كله لله، والعزة كلها لله.
فعندما تقول: (تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء) فأنت تعترف أن الله هو الذي يرفع ويخفض، ويعطي ويمنع، ويرزق ويفتح، وليس البشر. ولذلك فإن هذا الدعاء يجعلك تستغني بالله عن الناس، وتشعر بالقوة، لأنك تستمد هذه القوة من الله عز وجل.

ثم تأمل قوله: (بيدك الخير)… يا رب الخير كله بيدك… المال بيدك… الرزق بيدك… الفرج بيدك… ليس بيد فلان أو فلان أو فلان… وهنا يشعر الإنسان بالغنى الحقيقي، لأن الغنى ليس كثرة المال، بل غنى النفس، وغنى القلب، والثقة بالله تعالى.
ولذلك نجد كثيراً من الناس يملكون الأموال ولكنهم غير سعداء، وتجد آخرين ليس لديهم شيء من متاع الدنيا ولكنهم أكثر طمأنينة وراحة… لأن السعادة ليست في المال، بل في القرب من الله تعالى، وفي اليقين بأن الله لن يضيع عبده أبداً.
ثم إن هذا الدعاء يتضمن معنى عظيماً في قوله: (رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما تعطيهما من تشاء، وتمنع منها من تشاء)… أي أن الله تعالى هو الذي يعطي الدنيا والآخرة، وهو الذي يمنع، وهو الذي يقسم الأرزاق، فلا أحد يملك شيئاً من ذلك إلا بإذنه سبحانه وتعالى.
وفي الآية التالية بيان لقدرة الله العجيبة، يقول تعالى:
{تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 27].
إذا كان الله هو الذي يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، ويُخرج الحي من الميت، ويُخرج الميت من الحي، ويرزق من يشاء بغير حساب… أفلا يكون قادراً على أن يقضي دَين عبدٍ ضعيف قال: يا رب؟
ولكن هناك أمر مهم جداً… هذا الدعاء ليس مجرد كلمات تقال بلا فهم ولا عمل… بل هو يقين، وصدق، وتوكل، وحسن ظن بالله… فلا يصح لإنسان أن يقول: يا رب ارزقني، ثم يأكل الحرام… أو يقول: يا رب اقضِ عني دَيني، ثم يظلم الناس أو يؤذيهم أو يبخل بحقوقهم… لأن الله تعالى لا يظلم أحداً، وقد وعد باستجابة الدعاء لمن دعاه بإخلاص، فقال سبحانه:
{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60].
ولذلك إذا أردت أن ينتفع قلبك بهذا الدعاء، فعليك أن تفرغ قلبك من التعلق بالدنيا، وأن تتوجه إلى الله وحده، وأن توقن أن الله يحبك ويريد لك الخير، وأنه سبحانه يسمع دعاءك ويعلم حاجتك.
وقوله في آخر الدعاء: (ارحمني رحمةً تغنيني بها عن رحمة من سواك) من أعظم الكلمات… لأنك تطلب من الله رحمة تجعلك مستغنياً به عن الخلق، فلا تنكسر إلا بين يديه، ولا تسأل إلا إياه، ولا ترجُ إلا فضله.

ما أجمل هذا الدعاء… وما أعظم هذا الأمل الذي يزرعه في قلب المؤمن… فمهما بلغت ديونك، ومهما اشتدت أزمتك، ومهما ظننت أن الأبواب قد أغلقت، فإن باب الله لا يُغلق أبداً… والله تعالى يقول:
{وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: 131].
لذلك لا تيأس… لا تقلق… لا تظن أن الأمر انتهى… بل كن مع الله، وادعُ بهذا الدعاء كل يوم، وكن على ثقة أن الله سيستجيب لك، وأنه سيجعل لك من أمرك فرجاً ومخرجاً، لأنه سبحانه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
وأخيراً…
إذا ضاقت بك الدنيا، وأثقلتك الديون، وشعرت أن الناس قد تخلوا عنك، فتذكر أن الله موجود، قريب، سميع، مجيب… وتذكر هذا الدعاء العظيم، وسله سبحانه من فضله، وقل بيقين:
اللَّهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممّن تشاء، وتعزُّ من تشاء، وتذلُّ من تشاء، بيدك الخير إنَّك على كل شيءٍ قدير، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما تعطيهما من تشاء، وتمنع منها من تشاء، ارحمني رحمةً تغنيني بها عن رحمة من سواك.
نسأل الله تعالى أن يقضي ديوننا، وأن يغنينا بفضله عمَّن سواه، وأن يرزقنا جميعاً رزقاً حسناً مباركاً، فهو سبحانه القائل:
{وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: 131].




