» الإعجاز في السنّة

عمل واحد يفتح لك أبواب الجنة الثمانية!

حديث عظيم يدلّك على عمل يسير ولكن ثوابه مذهل… فهل نغتنم هذه البشارة النبوية؟

عمل بسيط جداً… ولكن تأملوا معي نتيجته… أبواب الجنة الثمانية تُفتح لك، وتدخل من أيها شئت!! أيُّ كرمٍ هذا؟ وأيُّ فضل هذا؟ وأيُّ رحمة هذه التي جعلها الله تعالى في عمل لا يستغرق منك إلا دقائق معدودة؟

يقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم:
«ما منكم من أحدٍ يتوضأ فيُحسن الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، إلا فُتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها يشاء»… سبحان الله!

تأملوا هذا الحديث العظيم… النبي عليه الصلاة والسلام لا يريد منك أمراً صعباً، ولا يكلفك عملاً شاقاً، بل يدلك على طريق سهل، ولكن نتائجه عظيمة جداً… يبدأ هذا العمل بالوضوء… والوضوء في ظاهره طهارة ونظافة، ولكنه في حقيقته أكثر من ذلك بكثير.

فالإنسان عندما يغسل يديه ووجهه وفمه وأنفه وقدميه، إنما يطهّر جسده من الأوساخ والجراثيم، واليوم في هذا العصر الذي كثرت فيه الأوبئة والأمراض، نجد الأطباء ينصحون بغسل الأيدي والوجه والأعضاء المكشوفة باستمرار… ولكن من الذي سبق إلى ذلك كله؟ إنه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم… فهل بعد هذا البيان بيان؟

ثم إن الوضوء ليس نظافةً للجسد فقط، بل هو سلاح ضد الشيطان أيضاً… لأن الشيطان يحب النجاسة ويكره الطهارة، ويحب أن يرى الإنسان مهموماً مضطرباً بعيداً عن الذكر، فإذا توضأ المؤمن شعر براحة عجيبة، وكأن همّاً كبيراً قد زال عنه… ولذلك كان الوضوء مفتاحاً للصلاة، والصلاة راحة للمؤمن.

ثم بعد ذلك تأتي الشهادة العظيمة: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له»… وهذه ليست كلمات تُقال باللسان فقط، بل هي عقيدة كاملة، ومنهج حياة، وقوة هائلة يكتسبها المؤمن من هذه الكلمات.

فما معنى: «لا إله إلا الله»؟ معناها أن لا أحد يملك لك ضراً ولا نفعاً إلا الله… لا أحد يرزقك إلا الله… لا أحد يشفيك إلا الله… لا أحد يمنع عنك الخير إلا بإذن الله… لا أحد يرفعك أو يخفضك إلا الله… فإذا امتلأ القلب بهذه الحقيقة عاش الإنسان مطمئناً، لأنه لم يعد متعلقاً بضعف البشر، بل تعلق بالقوي العزيز سبحانه وتعالى.

ولذلك فإن هذه الشهادة تمنح المؤمن قوة نفسية لا توصف… لأنه عندما يقولها بصدق يدرك أن الدنيا كلها بيد الله… وأن الناس مهما بلغوا من قوة فهم ضعفاء أمام قدرة الله… وأن الأرزاق والآجال والأقدار كلها بيد الله وحده… وهنا يزول الخوف، ويأتي اليقين، وتأتي الطمأنينة… مصداقاً لقوله تعالى:
{الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28].

ثم تقول: «وأشهد أن محمداً عبده ورسوله»… وهنا يتجلى معنى عظيم جداً يغفل عنه كثير من الناس… فالإنسان في هذه الحياة يحتاج إلى قدوة، يحتاج إلى من يقتدي به، يحتاج إلى من يدلّه على الطريق الصحيح، يحتاج إلى من يحل له مشاكله، ويبين له كيف يعيش، وكيف يتعامل، وكيف يصبر، وكيف ينجح، وكيف يعبد الله.

والنبي صلى الله عليه وسلم هو أعظم قدوة عرفها التاريخ… نجح في بيته، ونجح مع أصحابه، ونجح في دعوته، ونجح في قيادته، ونجح في أخلاقه، ونجح في رحمته، ونجح في صبره… ولذلك كان الاقتداء به أعظم طريق للنجاح في الدنيا والآخرة… قال تعالى:
{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21].

ثم يأتي هذا الدعاء الرائع: «اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين»… ما أجمل هذا الدعاء! وما أعظم معناه! فأنت تطلب من الله أن يجعلك من التوابين… أي كثيري التوبة، كثيري الرجوع إلى الله، كلما أخطأت رجعت، وكلما قصّرت استغفرت، وكلما ضعفت عدت إلى ربك.

ثم تطلب منه أن يجعلك من المتطهرين… أي من الذين يحبون الطهارة الحسية والمعنوية… طهارة الجسد، وطهارة القلب، وطهارة اللسان، وطهارة النظر، وطهارة السلوك… ولذلك أثنى الله تعالى على هؤلاء فقال:
{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222].

إذاً نحن أمام عمل يجمع كل الخير… وضوءٌ يطهّرك… وشهادةٌ توحّد قلبك… واتباعٌ للنبي يمنحك القدوة… ودعاءٌ يربطك بالله… فكيف لا تكون النتيجة عظيمة؟ وكيف لا تكون الثمرة فتح أبواب الجنة الثمانية؟

وتأملوا معي هذا الأمل العظيم… أن يعيش الإنسان في هذه الدنيا وهو يعلم أن هناك عملاً إذا فعله بإخلاص فتحت له أبواب الجنة الثمانية… أليس هذا من أعظم ما يبعث الطمأنينة في النفس؟ أليس هذا من أعظم ما يزرع التفاؤل في القلب؟ أليس هذا من أعظم ما يجعل الإنسان مقبلاً على الله، محباً للطاعة، متعلقاً بالجنة؟

إن هذا الدين لا يريد للإنسان الشقاء، بل يريد له الطهارة والسعادة واليقين… يريد له أن يعيش مطمئناً، نظيفاً، قريباً من الله… ولذلك ربط هذه الأعمال اليسيرة بهذا الثواب العظيم.

والخلاصة…

الوضوء ليس عملاً عادياً… والشهادة ليست كلمات تُقال بلا تدبر… والدعاء بعد الوضوء ليس أمراً شكلياً… بل هو عمل عظيم يجمع الطهارة، والإيمان، والاقتداء، والتوبة… ولذلك استحق هذا الوعد الكريم: أن تُفتح للعبد أبواب الجنة الثمانية فيدخل من أيها يشاء…

فهل نحافظ على هذا الدعاء بعد كل وضوء؟ وهل نغتنم هذه البشارة النبوية العظيمة؟

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من التوابين والمتطهرين، وأن يفتح لنا أبواب الجنة، وأن يرزقنا دخولها من أي باب نشاء… إنه على كل شيء قدير.

تحميل كتب الإعجاز العلمي

صفحتنا الجديدة على فيس بوك