» الإعجاز في السنّة

ثلاث كلمات يغفر الله بها ذنوبك ولو بلغت ما بين السماء والأرض

حديث نبوي عظيم يقسم فيه النبي صلى الله عليه وسلم أن الاستغفار سبب لمغفرة الذنوب كلها مهما عظمت… فلماذا نغفل عن هذا الكنز؟

دعونا نتأمل هذا الحديث العظيم الذي أقسم فيه حبيبنا صلى الله عليه وسلم على حقيقة تملأ القلب أملاً ورحمةً وطمأنينة… يقول عليه الصلاة والسلام:

(والذي نفسي بيده لو أخطأتم حتى تبلغ خطاياكم ما بين السماء والأرض ثم استغفرتم الله لغفر لكم… والذي نفس محمد بيده لو لم تخطئوا لجاء الله عز وجل بقوم يخطئون ثم يستغفرون فيغفر لهم).

إنها معانٍ عظيمة جداً… النبي صلى الله عليه وسلم يقسم على أمر ليس هيِّناً… يقسم أن الله تعالى يغفر الذنوب مهما بلغت، ومهما كثرت، ومهما تراكمت، بشرط واحد: أن تستغفر الله.

والعجيب أن الاستغفار من أسهل الأعمال… فأبسط صيغة للاستغفار هي ثلاث كلمات فقط: أستغفر الله العظيم… ثلاث كلمات، ولكنها إذا خرجت من قلب صادق كانت سبباً في مغفرة الذنوب كلها، حتى لو بلغت ما بين السماء والأرض.

تأملوا هذا التعبير النبوي… ما بين السماء والأرض… أي ذنوب لا يمكن للعقل أن يتصور كثرتها… ومع ذلك فإن رحمة الله أوسع، وكرمه أعظم، ومغفرته أكبر… ولذلك قال سبحانه وتعالى:

{وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156].

إن الإنسان يحتار أمام هذا الكرم الإلهي… كيف أن الله تعالى يفتح للعبد باب المغفرة بهذه السهولة… بينما نجد بعض الناس يضيّقون رحمة الله، ويشككون في أحاديث الرحمة، وكأنهم لا يريدون للناس أن يعرفوا سعة فضل الله… ولو كانت خزائن الرحمة بأيدي البشر لأمسكوا، لأن الإنسان بطبعه بخيل يخاف الإنفاق، ولذلك قال تعالى:

{قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا} [الإسراء: 100].

ولذلك فإن الاستغفار ليس مجرد كلمة تقال باللسان… بل هو عمل عظيم يحتاج إلى فهم، ويقين، وصدق… عندما تقول: أستغفر الله العظيم فأنت في الحقيقة تعترف أولاً أن الله هو العظيم وحده… فهل فعلاً تعيش هذا المعنى؟ هل قلبك متعلق بالله العظيم، أم أنك إذا أصابك هم أو ضر أو خوف لجأت إلى الناس ونسيت الله؟

ثم إن كلمة أستغفر تعني: أطلب المغفرة… أي أنني نادم، وأنني أقرّ بذنبي، وأطلب من الله أن يسترني ويعفو عني ويغفر لي… ولذلك فإن الاستغفار الحقيقي لا بد أن يكون صادقاً، لا مجرد ترديد للكلمات من غير حضور قلب.

ولعل من أجمل صيغ الاستغفار التي ينبغي أن نحفظها ونكثر منها قولك:

أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه

وهذه الصيغة من أروع ما جاء في الاستغفار، لأنها تجمع بين طلب المغفرة، والتوحيد، والتوبة… وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الاستغفار والتوبة إلى الله، وهو الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

والحقيقة أن في هذا الأمر ملمحاً مهماً جداً… فالعربي القديم في زمن الجاهلية كان يفهم معنى الكلمة عندما يقولها… لم تكن الكلمات عنده ألفاظاً فارغة… ولذلك عندما دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى كلمة لا إله إلا الله لم يقولوها بسهولة، لأنهم كانوا يعلمون أن هذه الكلمة ستغير حياتهم كلها… ستلغي الشرك، وتحطم الأصنام، وتبطل عاداتهم الباطلة من ظلم وربا وزنا وخمر وقتل… أما نحن اليوم فكثير منا يقول الكلمات ولا يعيش معانيها.

وكذلك الاستغفار… كثيرون يقولون: أستغفر الله، ولكنهم لا يتأملون ماذا يقولون… ولا يشعرون بعظمة من يستغفرونه… ولا يتركون الذنب الذي يستغفرون منه… هنا تكمن المشكلة.

ولذلك لا بد أن نفهم أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما بشّرنا بهذا الفضل العظيم، إنما يقصد الاستغفار الصادق… الاستغفار الذي يخرج من قلب مؤمن، موقن بالله، عامل بما يقول… لأن الله تعالى هو القائل:

{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60].

فهذه معادلة واضحة… دعاء مع صدق ويقين وإخلاص يعني استجابة… أما الذي يدعو الله نفاقاً أو رياءً أو كذباً، أو يطلب من الله الخير وهو مصرّ على الحرام، فهذا لا يكون حاله كحال من أقبل على الله بقلبه كله.

ومن رحمة الله العظيمة أن هذا الحديث فيه طمأنينة كبيرة لكل إنسان يخطئ… لأن الخطأ من طبيعة البشر… ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الإنسان لو لم يخطئ لأتى الله بقوم يخطئون ثم يستغفرون فيغفر لهم… وهذا يعني أن صفة الخطأ ملازمة للإنسان، وأن الكمال المطلق ليس للبشر، وإنما المهم أن يرجع الإنسان إلى الله، وأن لا يصر على الذنب، وأن لا ييأس من الرحمة.

فلا تحزن إذا أخطأت… ولكن احذر أن تستمر في الخطأ دون توبة… ولا تيأس من رحمة الله مهما عظمت ذنوبك… لأن الله غفور رحيم، يسمع دعاءك، ويعلم ضعفك، ويفتح لك باب التوبة في كل لحظة.

ولذلك أرجو من كل أخ حبيب، ومن كل أخت كريمة، أن يحرصوا على هذا الذكر العظيم، وأن يكثروا منه كل يوم:

أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه

رددها كثيراً… مئة مرة إن استطعت… ورددها وأنت حاضر القلب… وأنت تشعر أنك بين يدي الله… وأنت موقن أن هذا الإله العظيم يسمعك، ويريد لك الخير، ويحب أن يغفر لك.

ما الذي يشغلك عن الاستغفار؟
نبي كريم يقسم لك أن الله يغفر ذنوبك ولو بلغت ما بين السماء والأرض… وأنت لا تحتاج إلا إلى كلمات يسيرة، ولكنها عظيمة عند الله.

وأخيراً…

إذا أردت راحة القلب، ومغفرة الذنب، وفتح أبواب الرحمة، فأكثر من الاستغفار… واجعل لسانك رطباً به… وقل دائماً بيقين:

أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه

نسأل الله تعالى أن يغفر ذنوبنا، وأن يتوب علينا، وأن يرزقنا صدق التوبة، وأن يعلمنا العلم النافع الذي يرضاه عنا…

تحميل كتب الإعجاز العلمي

صفحتنا الجديدة على فيس بوك