الأخ هنا يسأل: إنه يقدم على قراءة سورة البقرة كل يوم لمدة 40 يوماً، ولكن مشاكله لم تُحل….!
طبعاً أخي الحبيب، أقول لك: قراءة القرآن لك بكل حرف منها 10 حسنات، وهذه أجرة عاجلة ومضمونة.
لماذا لم تُحل هذه المشاكل؟ لأن القرآن العظيم يجب أن تقرأه بخشوع وتدبر؛ فالقراءة السريعة من دون تفكير أو فهم أو خشوع أتأكد أنه لا فائدة منها سوى أن تأخذ 10 حسنات على كل حرف. ولكن عندما يخشع قلبك أمام كلام الله، وعندما تتدبر هذه السورة العظيمة المليئة بالأسرار والصبر: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [ البقرة: 153]

يعني كيف قرأت هذه الآية في سورة البقرة ثم تقول “لم تُحل مشكلتي”؟ هل طبقت هذه الآية؟ هل لجأت إلى الصلاة؟ ﴿استعينوا﴾ أي: استعينوا على قضاء مشاكلكم، وعلى حل الأزمات، والشفاء من الأمراض، والهموم، وضيق العيش، والديون بشيء واحد: الصبر والصلاة.
هل طبقت هذه الآية؟ أي هل استعنت بالصبر والصلاة؟ أم تعتقد أن 40 يوماً تعني أن الصبر قد انتهى أو نفد؟ لا! الصبر هنا يكون عندما تدرك أن الله معك وسيحلمشكلتك، وهو أعلم بك من نفسك. عندما تصل إلى هذه القناعة لن تقول أبداً: “والله دعوت الله فلم يستجب لي”. لن تقول ذلك لأنك تعلم أن الله ما دام هو الذي ابتلاك: ﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ ۚ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [ يونس: 107]

فهذا الإله العظيم الذي ابتلاك، هو الذي يكشف الضر. لماذا لم يكشفه الآن؟ معنى ذلك أن هناك حكمة، وقد يكون هناك ضرر إذا كُشف عنك هذا البلاء اليوم. الله هو الذي يحدد متى يكشف هذا الضر.
انظر إلى سيدنا أيوب: ﴿ ۞ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [ الأنبياء: 83] ؛ متى نادى ربه؟ بعد سنوات من البلاء.
وفي سورة البقرة يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ولنبلونكم﴾، انظر من الذي سيبتلينا؟ هو الله! سبحان الله، الآية التي قرأتها هي (153): ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [ البقرة: 153]، ثم في الآية (155): ﴿ولنبلونكم﴾. هذه الآية تخاطب المؤمنين بل والبشر جميعاً: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [ البقرة: 155]
فمشكلة الأخ السائل قد تكون ضائقة مادية (الجوع)، أو نقصاً في الأنفس (فقد إنسان عزيز أو وجود مريض يُخشى عليه)، أو خوفاً من شيء معين. فماذا قال لنا الله؟ ﴿وبشر الصابرين﴾؛ رجعنا إلى الصبر. فهل حدد لك القرآن 40 يوماً، أو مائة يوم، أو سنة؟ لا! اصبر حتى تلقى الله، هذا هو حال المؤمن: ﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [ البقرة: 156]﴾.

فأنا وأنا أقرأ سورة البقرة يجب أن أطبق هذه الآيات، وليست مجرد قراءة كالببغاء دون فهم. كل آية يجب أن تقف عندها. كم مرة قلت: ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾؟ كم مرة لجأت إلى الله؟ كم مرة أحسست أن الله معك؟ إذا لم تشعر بمعية الله، فأنت لم تفهم الآية بعد، أو لم تقرأها حق القراءة. هناك من يقرأ السورة ولكنه لم يقرأ، قرأ ولم يقرأ! كذلك الشخص الذي صلى ولم يصلِّ، حين قال له النبي ﷺ: «ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ». فليست كل صلاة صلاة، وليست كل قراءة قراءة.
أهم شيء في قراءة القرآن هو التدبر، فلا توجد آية في القرآن تقول: “أفلا يقرؤون القرآن” أو “أفلا يحفظون القرآن”، بل قال: ﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾. القراءة التدبرية للقرآن تجعلني عندما أقرأ: ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع﴾، أدرس مصيبتي أو مشكلتي فوراً، وأتذكر أن الله هو الذي أنزل هذا البلاء ولا يكشفه إلا هو.

وما هي النتيجة؟ ﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾؛ عليهم صلوات أي: تتنزل عليهم الرحمة والسكينة والحفظ. كل هذا يشعر به المؤمن عندما يقول “إنا لله وإنا إليه راجعون” وعندما يصبر ابتغاء وجه الله: ﴿واصبر وما صبرك إلا بالله﴾.
فلذلك عندما تقرأ سورة البقرة أو تستمع إليها بهذا الخشوع واليقين، فإنك تشعر ببرد في القلب وأنس في الصدر، وتشعر بالهدوء والسكينة، وتتحول من إنسان مهموم إلى إنسان تغشاه رحمة الله، في قمة السكينة والسعادة والطمأنينة.
نسأل الله أن يجعلنا من الذين قال فيهم: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [ الرعد: 28] صدق الله العظيم.
يمكنكم مشاهدة الفيديو من خلال هذا الرابط : –




