هذه السورة هي سورة العطاء للمحرومين، وسورة الرزق والتيسير بإذن الله. واليوم أيها الأحبة نقدم مقطعًا مهمًّا عن هذه السورة العظيمة جدًّا، التي نزلت على النبي عليه الصلاة والسلام لتفرّح قلبه، ولتذكّره أن الله لا ينسى عبدًا يقول: «لا إله إلا الله»، ……………
السلام عليكم ورحمة الله أيها الأحبة. سورة الضحى اسم جميل؛ لماذا بدأها الله بقسم عظيم؟ ﴿وَالضُّحَى﴾؛ أقسم بظاهرة الضحى. لماذا أيها الأحبة؟ لولا الضحى لما أمكننا أن نعيش أو نستمر، ولا أمكن لأي كائن حي أن يستمر؛ فالضحى يعقبه الليل، وإذًا هناك دورة يومية للحياة تبدأ بالضحى عندما تشرق الشمس، ثم يأتي الليل، وهكذا تتكرر هذه الدورة كل 24 ساعة؛ فتستمر حياتنا، ونستطيع أن نعمل وننتج، وتثمر النباتات، وتعيش الكائنات الحية ضمن هذه الدورة، دورة الليل والنهار، فتستمر الحياة.

لذلك أقسم الله بهذه الظاهرة فقال: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾؛ هذا الإله العظيم الذي خلق هذه الأرض، وخلق الضحى وخلق الليل، ماذا يقول؟ ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾.
إنها حقًّا سورة الفرح. نبينا عليه الصلاة والسلام انقطع عنه الوحي مدة، فاشتاق للقاء جبريل عليه السلام، واشتاق لأن يسمع كلام الله، فأراد الله أن يفرّح قلبه، فأنزل عليه هذه السورة التي هي مواساة لكل مهموم، وفرح لكل حزين؛ تقول لك: إن هذا الإله العظيم لا ينساك ولا يتركك أبدًا ما دمت تقول: يا رب.

﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾: أي إن الله لم ينسَ هذا النبي الكريم، ولم يتركه، ولم يبتعد عنه، بل الله قريب سبحانه وتعالى؛ لم يودّعك ولم يتخلَّ عنك.
أريدك أخي الحبيب، إذا أردت أن تتذوق لذة كلام الله، وأن تشعر بحلاوة التدبر، أن تستيقن أن هذا الكلام يتنزل عليك الآن. صحيح أن هذا الخطاب موجّه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ولكننا رضينا بهذا النبي رسولًا ونبيًّا، وأحببناه أكثر من أنفسنا، وهو الشفاء للقلوب؛ وبما أنني متبع لهذا النبي فهذا الكلام يعنيني أيضًا، وهو موجه لي ولك.
﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾؛ يجب أن تعلم أن الله يخاطبك بهذه الآيات، ويقول لك: أيها العبد، إذا تراكمت عليك الهموم والمشاكل وضاق حالك، فلا تظن أن الله بعيد عنك، ولا تظن أنه نسيك أو تخلى عنك أو تركك؛ لا، ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى﴾.

السر الأول الذي يجب أن تدركه هو أن هذه السورة هي سورة الفرح، تشعر عند قراءتها بالقرب من الله وأنه لم يتخلَّ عنك أبدًا؛ بل الله معك، وهو أعلم بحالك من نفسك. يختار الوقت المناسب ليحل مشكلتك، فحل المشاكل بيده، وحياتك وموتك بيده؛ وأنت من دونه لا تملك شيئًا، فلكي ترتاح، سلّم أمورك كاملة لله وانتظر الفرج منه سبحانه، ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾.

السر الثاني: سر العطاء والرضا تخيل أن الله يخاطبك ويقول لك إنه سيعطيك حتى ترضى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾. هل أحد منا يحتاج أن يرضى عن الله وهو خالق الكون سبحانه؟ وهل الله بحاجة إلى رضانا؟ لا أبدًا؛ ولكن الرضا عن الله يعني أن ترضى بقضائه؛ قال تعالى: ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾؛ رضي الله عنك ورضيت عنه، أي رضيت ببلائه وقضائه وكل ما قسمه لك.
فالله هنا كأنه يبشرك بأنه سيرزقك -إلى جانب نعمة العطاء- نعمةَ الرضا؛ فهناك ملياردير يملك المليارات ولكنه ليس راضيًا عن عطاء الله، بل يطمع في المزيد، فيأكل الربا والحرام ليجمع المال؛ فكثرة المال ليست دليلًا على الرضا. الرضا شيء آخر؛ قد يرزقك الله القليل ولكنه يرزقك معه ما هو أعظم من العطاء: الرضا بهذا القليل. الرضا إحساس قلبي لا يرتبط بالوضع المادي أو الرفاهية أو الممتلكات؛ قد يأكل الإنسان طعامًا بسيطًا وهو راضٍ، وآخر يملك المليارات وهو غير راضٍ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾؛ يرزقك العطاء ويرزقك الرضا.

دعونا نقرأ السورة معًا لنعيش لذة هذا الكلام: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾.
السر الثالث: الهداية والكفاية بعد الشدة مر نبينا عليه الصلاة والسلام بمختلف الابتلاءات؛ عاش يتيمًا، وحُوصر، وطُورد، واستُهزئ به، وعانى قلة المال وقلة الأنصار وكثرة المستهزئين، وتآمروا على قتله حتى هاجر من مكة إلى المدينة. ومع كل ذلك لم ييأس عليه الصلاة والسلام ولم يفقد الأمل في الله؛ فنزلت هذه السورة لتثبيته على الحق في تلك الظروف الصعبة.

فإذا كنت اليوم في عصر الفتن وانتشار الظلم واللهو والغفلة، وضاق صدرك، فاقرأ هذه السورة المبشرة:
- إن كنت محتاجًا فالله سيغنيك: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾.
- وإن كنت حائرًا تائهًا لا تهتدي لحل مشكلاتك، فسيدلك الله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾؛ والضلال المذكور في حق النبي لا يعني الوقوع في الذنب أو المعصية، بل يعني عدم معرفة تفاصيل الشرع والدين قبل نزول الوحي، فهداه الله للإسلام. واليوم، إن ضللت طريق العلاج من مرض، أو ضللت السبيل إلى الرزق أو إلى حل أزمة في بيتك، فإن الله سيهديك ويدلك على الطريق الصحيح.

تُختم السورة الكريمة بقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾.
- إياك وقهر اليتيم أو الاستهزاء به أو حِرمانه.
- وإياك وزجر السائل أو الصراخ في وجهه؛ إما أن تعطيه أو تجبر خاطره بكلمة طيبة.
- ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾: وهذا سر عظيم؛ يوجهك الله فيه إلى تذكر نعمه وشكرها، وألا تجعل حياتك مستغرقة في التفكير السلبي والشكوى المستمرة من الديون والأزمات حتى تُنهك نفسك.

إن من أعظم النعم أن هدانا الله للإسلام؛ فحدّث نفسك بها واشكر الله عليها، وبلّغ الناس هدي هذا الدين؛ فالدعوة إلى الله وإيصال المعلومة النافعة من التحديث بالنعمة. أعطاك الله نعمة البصر والعافية؛ تذكّرها، واشكر الله عليها بلسانك، وذكّر الناس بها.
لقد ضيّق بعض الناس مفهوم هذه الآية فظنوا أنها تعني التباهي بالبيوت الفخمة والأموال، ونعمة الله أوسع من الماديات؛ فأعظم النعم نعمة التوحيد، ونعمة الصبر، والذرية البارة، والزوجة الصالحة، والتوفيق لفعل الخيرات: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾.

التحديث بنعمة الله لا يعني التفاخر بالمال أمام الفقراء والمحرومين، بل يعني أن تذكّر نفسك والناس بآلاء الله؛ فمن نعمه أن سخّر لنا الكون، وأنزل علينا القرآن الكريم، ونحن عندما ننشر علومه، أو نذكّر الناس بالصلاة والاستعداد للآخرة، فنحن نحدث بنعمة ربنا.
نسأل الله عز وجل أن ينفعنا وإياكم بهذه المعاني، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يمكنكم مشاهدة هذا الفيديو من خلال الضغط علي الرابط :-




