اليوم كنت أتأمل هذه الآية الكريمة، وتعجبت حقيقة: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ}. طيب، أي نعيم في الدنيا سنسأل عنه؟ يعني إذا الله رزقك رزقاً حسناً فتنعمت به؛ أكلت أكلة طيبة، استمتعت بجلسة فيها ما لذ وطاب من أنواع الطعام.. كيف سيسألك الله عن هذا الطعام الذي هو من رزقك إياه؟……….
الحقيقة هذا سؤال؛ نحن نعلم أن الله سبحانه وتعالى يحاسب على الشر، يحاسب على الظلم، يحاسب على أكل أموال الناس بالباطل، يحاسب على التجسس والنميمة والغيبة. ولكن، شيئاً رزقك الله إياه، يحاسبك عليه؟ هذه غريبة يعني!

ولكن الحقيقة تبين لي أن السؤال هنا أيها الأحبة، مثل سؤال العبد الذي قال عنه النبي عليه الصلاة والسلام: (لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن ماله فيم اكتسبه وفيم أنفقه…). يعني ستسأل عن حتى الصدقة التي تصدقت بها، تصور معي!
ولكن ما هو السؤال؟
آها.. عندما أنفقت هذا المال في سبيل الشيطان، من أجل الهوى والشهوة والزنا والفواحش وما حرم الله؛ إذا أنفقته في هذا الاتجاه ستسأل وسيكون هناك عقوبة.
أما إذا أنفقت هذا المال لفقير، لمسجد، لعلاج مريض، لمساعدة إنسان، لإطعام بائس؛ هنا ستسأل عن شكر هذه النعمة؛ نعمة أكرمك الله بها، يجب أن تحمد الله عليها. هذا هو السؤال أيها الأحبة.
فعندما أكرمك الله بهذا الطعام اللذيذ، أو هذه المتعة، أو أكرمك برزق، أو أكرمك بولد تقر به عيناك، أو حتى أكرمك بفعل خير؛ يجب أن تحمد الله.

هلا أنظر معي! هذا المعنى يتجلى بشكل عميق جداً وواضح في الجنة؛ يوم القيامة عندما يدخل المؤمن الجنة، ما هي أول كلمة يقولها؟ انظر معي: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ}.
فإذاً، أكبر نعمة يمكن أن يكرمك الله بها هي الجنة، هذه النعمة ماذا يجب عليك أن تقول فيها؟ الحمد لله.
طيب، أنا أكلت الآن طعاماً أكرمني الله به؟ يجب أن تقول: الحمد لله.
طيب، أنا الآن أمتع بصحة جيدة؟ أقول: الحمد لله.
رزقني الله مبلغاً فتصدقت به؟ يجب أن أقول: الحمد لله.
فلذلك، انظر إلى حبيبك عليه الصلاة والسلام؛ كان دائم الحمد. يعني دائماً؛ إذا استيقظ -تخيل تخيل- نعمة النوم! هذه النعمة ستسأل عنها يوم القيامة؛ لأن هناك أناساً لا ينامون، لا يستطيعون النوم؛ مريض، إنسان يتألم، إنسان مظلوم، إنسان مشرد.. لا يهنأ بالنوم.
فما دام أكرمك الله بنعمة النوم، سيسألك: هل حمدت الله؟ {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ}.

لذلك، النبي عليه الصلاة والسلام عندما كان يستيقظ من نومه، ما هي أول كلمة يقولها؟
“الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا واليه النشور”. يعني إليه البعث والقيامة.
هنا أيها الأحبة، أيضاً ملمح آخر؛ بسبب كثرة النعم من حولنا؛ نعمة البصر والسمع والنطق والعلم والعقل والصحة، نعمة الهواء الذي نستنشقه، نعمة الماء الذي نشربه، نعمة الأمن والأمان.. نعم كثيرة كثيرة: {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا}.
لذلك، أول ما بدأ الله به كتابه الكريم (القرآن)، بعد (بسم الله الرحمن الرحيم): ماذا نقول؟
الحمد لله رب العالمين.
الحمد لله الذي هداني للإيمان.
الحمد لله الذي أكرمني بالقرآن.
الحمد لله الذي جعلني مسلماً.
الحمد لله الذي أكرمني بنعم لا تعد ولا تحصى.
الحمد لله الذي رزقني.

فمن هنا أخي الحبيب، هذه الآية تذكرك: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ}؛ تذكرك هذه الآية بضرورة ألا تنغمس كثيراً في الدنيا. أي متعة أو نعيم يمسك -ولو لحظات- تذكر أن الله سيسألك عنه يوم القيامة: هل أديت شكر هذه النعمة؟
لذلك الشكر؛ الشكر عبادة عظيمة جداً من العبادات العظيمة جداً. وحتى في دراسات علمية اليوم؛ ما يسمونه “الامتنان”. الإنسان الذي يكثر من شكر الناس على أي نعمة تأتيه من شخص، أو عطاء، أو خدمة أداها لك تشكره كثيراً.. مثل هؤلاء الناس الذين لديهم كثرة الشكر والحمد والامتنان، يعيشون عمراً أطول بحسب الدراسات العلمية التي أتحدث معكم عنها، ويتمتعون بجهاز مناعي أقوى.
طيب، ما علاقة هذا بهذا؟
طبعاً، الإنسان كثير الشكر يكون هادئ الأعصاب، سلوكه يتمتع بالعفو أكثر من غيره، وكما تقول جامعة هارفارد: “أطول الناس أعماراً أكثرهم تسامحاً”.
لذلك أيها الأحبة، تذكروا أن شكر الله هو رقم واحد؛ كل نعمة تمر بها، مباشرة قل: “الحمد لله”.
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام:
إذا لبس ثوباً قال: “الحمد لله الذي ألبسني…”.
إذا أكل طعاماً قال: “الحمد لله الذي أطعمني وسقاني وكساني وآواني”.
وفي كل المناسبات تجده يقول: “الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا واليه النشور”.

تاليّاً أيها الأحبة، هذا الحمد إذا نطقت به في الدنيا ستجد مكافأة عظيمة جداً يوم القيامة وهي الجنة؛ لذلك أول ما يقوله أهل الجنة عند دخولهم: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ}، ويقول أيضاً: {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.
إذاً، يبدأون بالحمد وينتهون بالحمد. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من الحامدين والشاكرين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (حتى يتبين لهم أنه الحق).
يمكنكم مشاهدة الفيديو من خلال هذا الرابط : –




