اكتشاف علمي جديد يكشف نشاطاً مدهشاً في دماغ الإنسان بعد توقف القلب… فماذا يرى الإنسان في تلك اللحظة؟ وهل أشار القرآن إلى ذلك؟…
حدث لمرّة واحدة في تاريخ العلم أن استطاع الباحثون رصد نشاط دماغ إنسان في اللحظات الأخيرة من حياته، والمذهل أن هذا النشاط لم يتوقف مباشرة بعد توقف القلب… بل ظهرت إشارات قوية في مناطق محددة من الدماغ، الأمر الذي حيَّر العلماء وجعلهم يعيدون النظر في تعريف الموت نفسه.
فقد كان الاعتقاد السائد أن الإنسان يموت عندما يتوقف القلب أو يتوقف الدماغ عن العمل… ولكن الدراسة الحديثة التي أُجريت باستخدام جهاز المسح بالرنين المغناطيسي الوظيفي أظهرت أن الدماغ قد يبقى في حالة نشاط خلال لحظات الموت، وأن بعض مناطقه تنشط بشكل لافت للنظر، وبخاصة المنطقة المرتبطة بالذكريات والاسترجاع.
الذي لفت انتباه الباحثين أن الدماغ أطلق ما يسمى بموجات “غاما”، وهذه الموجات ترتبط عادةً بحالات الوعي الشديد والتركيز العميق واستدعاء الذكريات… أي أن الإنسان في تلك اللحظة قد يكون في حالة إدراك غير عادية، وكأن حياته كلها تمر أمامه في لحظات.
وهنا نتذكر قول الله تعالى: {يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى}… فهل يمكن أن يكون هذا التذكر قد يبدأ منذ لحظة مفارقة الروح للجسد؟ وهل يمكن أن يرى الإنسان أعماله ماثلة أمامه قبل أن ينتقل إلى عالم البرزخ؟
إن العلماء اليوم يعترفون بأن هذه الظاهرة غريبة ومخيفة… لأنهم وجدوا نشاطاً في دماغ إنسان فارق الحياة، وهذا النشاط لا يشبه الفوضى العشوائية، بل يشبه حالة إنسان يتذكر ويتأمل ويركز… ولذلك بدأ بعض الباحثين يتساءلون: هل الحياة تنتهي فعلاً بتوقف القلب؟ أم أن هناك مرحلة أخرى لا نعلم عنها إلا القليل؟
ولعل ما يزيد الأمر إثارة أن دراسات أخرى على الحيوانات أظهرت نشاطاً دماغياً بعد الموت أيضاً… كما أن كثيراً من الأشخاص الذين مروا بتجارب الاقتراب من الموت تحدثوا عن أنهم رأوا مشاهد من حياتهم بوضوح شديد، وكأن كل شيء كان محفوظاً ومحسوباً بدقة.
وهنا نتأمل قول الحق تبارك وتعالى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}… هذه الآية العظيمة تؤكد أن أعمال الإنسان كلها محفوظة، وأنه سيرى ما عمله حاضراً، وكأن شيئاً لم يغب ولم يضِع.
بل إن القرآن يحدثنا عن لحظة ينكشف فيها للإنسان ما لم يكن يراه من قبل، يقول تعالى: {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ}… فإذا كان العلماء اليوم يتحدثون عن نشاط دماغي شديد ووعي غير عادي لحظة الموت، فإن القرآن قد أشار بوضوح إلى أن الإنسان في تلك اللحظة يرى ما لم يكن يراه في الدنيا.
كذلك فإن هذه الحقيقة العلمية تجعلنا نتأمل قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ}… لماذا يطلب الرجوع؟ لا بد أنه رأى شيئاً عظيماً… لا بد أنه أدرك الحقيقة متأخراً… لا بد أنه تذكر ما قدّم وما فرّط فيه.
إن أخطر ما في هذا الاكتشاف أنه يهدم الفكرة المادية البحتة التي تقول إن الموت هو نهاية كل شيء… فالعلم نفسه بدأ يكتشف أن هناك مرحلة غامضة، وأن الدماغ لا ينطفئ فوراً كما كانوا يظنون، وأن الإنسان قد يمر بلحظات وعي عميقة جداً بعد أن يظنه الناس قد مات.
والسؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل واحد منا على نفسه: ماذا سأرى في تلك اللحظة؟ ماذا سأتذكر؟ وهل سأكون ممن يفرح بلقاء الله أم ممن يطلب الرجوع فلا يُجاب؟
إنها لحظة آتية لا محالة… لحظة لا ينفع فيها مال ولا جاه ولا منصب… لحظة يرى فيها الإنسان حقيقة عمله، ولذلك كان القرآن دائماً يلفت انتباهنا إلى الاستعداد لهذا الموقف العظيم.
نسأل الله تعالى أن يحسن خاتمتنا، وأن يرزقنا الثبات عند الموت، وأن يجعلنا ممن إذا جاءهم ذلك اليوم كانوا من الآمنين المطمئنين… إنه على كل شيء قدير.




