موجات من الحرارة العنيفة تقتل آلاف الناس في أوروبا؛ في فرنسا فقط وخلال ثلاثة أيام أكثر من 1,000 وفاة بسبب شدة الحرارة! فما هو سبب هذه الموجات القاتلة من الحرارة لأول مرة في تاريخ أوروبا؟ وهل يمكن أن تتحول أوروبا ذات يوم إلى صحراء قاحلة؟ وأخيراً، ما هو سبب هذه الظاهرة؟ هل هي عقوبة أم ظاهرة طبيعية، ﴿ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ﴾؟………..
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين أيها الأحبّة، الحرارة تتحول إلى قاتل صامت؛ إشارات المرور في إيطاليا تذوب، والشوارع تنصهر في فرنسا وإسبانيا، وفي ألمانيا الناس تكاد تحترق! فنجد أنهم يرمون بأنفسهم في الأنهار، وحدثت مئات الحالات من الغرق خلال الأيام السابقة؛ بسبب أن عدداً كبيراً من الناس لم يجدوا مَفَزَّاً من هذه الحرارة إلا أن يذهبوا إلى الأنهار القريبة.

ولكن لماذا هذه الظاهرة الآن؟ وعلى ماذا تدل؟ وماذا عن الحيوانات؟ هناك كلاب دخلت المستشفيات، وهناك قطط تم إسعافها أيضاً! سبحان الله! هناك من يستخدم الحرارة للطبخ مثلاً؛ للدلالة على كثرة وقوة هذه الحرارة ومدى تأثيرها على الناس هناك.
طيب، نريد أن نتعرّف اليوم أيها الأحبّة ما هي أسباب هذه الظاهرة؟ لماذا تضرب بشكل مفاجئ؟ ولماذا أوروبا؟ أوروبا هي من المناطق المليئة بالأنهار والأشجار، فيها غطاء نباتي وثلوج وجو رائع جداً ومعتدل وبارد.. ما الذي يحدث؟ وماذا نتوقع في المستقبل؟ كل هذا اليوم سنتأمله من خلال هذا المقطع، فأرجو أن تتابعوني حتى النهاية.
أحبتي في الله، دائماً وقبل أن أبدأ باستعراض الظواهر التي حدثت والمشاهد التي شاهدناها كلنا على مواقع الإنترنت من حرارة زائدة.. الناس تتهافت على شراء المكيفات، وتتقاتل على شراء مروحة أو تكييف، مشاهد لحيوانات تتألم وتهرب من هذا الحر، ومشاهد لأناس كبارٍ في السن يموتون بسبب الحرارة في بيوتهم؛ إنسان مات لأنه وحيد في بيته وجاءت هذه الحرارة بشكل مفاجئ فمات بسبب بعض الأمراض المزمنة ولأنه كبير في السن ومنعزل عن العالم..
الحقيقة.. كل هذا أيها الأحبّة، هل هو ظاهرة طبيعية أم إنذار من الله؟ لا، هو إنذار من الله، لماذا؟ أنظر معي أخي الحبيب، أنا أتذكر معك هذه الآية الكريمة التي تصوّر لنا هذا المشهد: ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [ الروم: 41]
هذه الآية تصوّر لنا ما نراه الآن في أوروبا؛ فساد الحرارة التي هي وسيلة للدفء ووسيلة للإنبات ووسيلة لتبخير البحار لنحصل على المياه والأمطار.. الحرارة هي حياتنا في الحقيقة، عندما تتحول إلى قاتل تصبح سبباً في الموت، وسبباً في إنهاء حياة الناس، وسبباً في تعذيبهم وتعاستهم.. هذا هو الفساد الذي ظهر.

الفساد أيها الأحبّة ظهر بسبب سلوك الإنسان الحديث. هل تعلم عدد أو كمية الملوثات التي نقذف بها نحن البشر سنوياً؟ ملايين الأتنان من الملوثات! هذه لم تكن في السابق، حتى إن الإنسان الحديث اليوم هو الذي أفسد البيئة وأفسد الغلاف الجوي للأرض.
هذا الغلاف الجوي أصلحه الله وصممه بطريقة رائعة بنسب محددة من غاز الأكسجين وغاز النيتروجين وغاز ثاني أكسيد الكربون؛ نسب محددة ودقيقة استمرت لملايين السنين، فجاء الإنسان في العصر الحديث فأحدث الحروب والتفجيرات النواوية، وكثر القتل وكثر التلوث، وكَثُرَت المشاريع العملاقة التي لا فائدة منها تعود على البشر.. كل هذا أدى لقذف ملايين الأتنان من الملوثات؛ أكاسيد الكبريت وأكاسيد الرصاص وغيرها في الجو.
ما الذي حدث؟ هذا الغلاف الجوي تحول إلى غرفة مغلقة. الله صمم غلافنا الجوي لكي يحتفظ بدرجة حرارة مناسبة، يعني عندما تدخل أشعة الشمس إلى أرضنا عبر هذا الغلاف الجوي، هذا الغلاف مصمم ليحجز جزءاً صغيراً جداً من هذه الحرارة بما يكفي لتدفئة الناس. أصبح هذا الغلاف ملوثاً لدرجة أنه يحجز كمية كبيرة من الحرارة.
ففي أوروبا ظاهرة تسمى “أوميجا” وظاهرة الاحتباس الحراري، فهذه الظواهر أصبح لديهم بسببها ما يشبه القبة الحرارية تحيط بهذه البلدان الباردة أصلاً، فتحبس الحرارة وكأنك تعيش في فرن حراري! فسبحان الله، بسبب أن الإنسان هناك غير مستعد — كما في دول الشرق الأوسط — لهذه الحرارة العالية، فنجد زيادة في عدد الموتى أو الوفيات، وزيادة في الحوادث، وزيادة في الكوارث، وزيادة في الأمراض.. حتى إن هناك تنبؤاً بزيادة في الأمراض التي تنتقل بنتيجة الحرارة، وأيضاً هناك تنبؤ بأن بعض الأنهار ستجف خلال السنوات القادمة، وهذا الغطاء النباتي هناك سيتأثر، وهناك ذوبان للجليد يتم يومياً بشكل غير مسبوق في تاريخ أوروبا.. جبال من الجليد تذوب، والقطب المتجمد الشمالي أيضاً فيه جبال من الجليد تنهار كل يوم وتذوب!
هذا كله يرفع درجة حرارة الكوكب، ولكن أوروبا هي المنطقة الأضعف والأكثر تأثراً؛ لأن منطقة مثل الجزيرة العربية هي أصلاً صحراء — صحراء الربع الخالي هناك — وهذه المنطقة بدأنا نرى فيها بعض ملامح الخُضْرة، ونرى فيها ظاهرة الَبَرَد، ونرى فيها أمطاراً غزيرة، ونجد بحيرات تتشكل في الربع الخالي! بدأنا نرى في الجزيرة العربية — وبخاصة في المناطق الأكثر جفافاً — نباتات تنبت لأول مرة، ونرى الجمال والإبل ترعى هناك بعد أن كان منظر الصحراء هو السائد. وأصبحت جبال في مكة كُسِيَت باللون الأخضر بسبب كميات كبيرة من الأمطار تنزل هناك.. سبحان الله!

فإذاً، نحن أمام دورة للطقس ودورة للمناخ؛ الجزيرة العربية أيها الأحبّة كانت قبل 5 آلاف سنة إلى 10 آلاف سنة أشبه بأوروبا اليوم، ودورة المناخ تقتضي بأن أوروبا سوف تعاني من تصحر وجفاف (وطبعاً الزمن لا يعلمه إلا الله، ولكن في المستقبل)، وأن جزيرة العرب ستعود مروجاً وأنهاراً مع تقدم الزمن. هذا ما يسميه العلماء بدورة المناخ التي تحدث كل عشرات الآلاف من السنين.
لذلك أيها الأحبّة، قبل أن أكمل، أتمنى أن تتذكروا معي حديث النبي عليه الصلاة والسلام الذي يمثل معجزة علمية تتجلى اليوم أمامنا عندما نرى جبال مكة الخضراء ونرى كيف ينعكس هذا الجو، فتجد صحراء تتحول إلى اللون الأخضر وإلى المروج والمياه والشلالات، وبنفس الوقت ترى جنات أوروبا تبدأ بالجفاف والتصحر ويعاني الناس هناك!
النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض، حتى يخرج الرجل بزكاة ماله فلا يجد أحدًا يقبلها منه، وحتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا ) (صلى الله عليه وسلم)، فمن الذي أخبره أنها كانت مروجاً وأنهاراً؟ ومن الذي أخبره أنها ستعود؟ فالجفاف الذي تعاني منه اليوم أوروبا هو أيضاً دليل على صدق حديث النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن هناك دورة للمناخ عبر آلاف السنين تنتقل من مكان إلى مكان. يعني مثلاً الجزيرة العربية كانت مثل أوروبا تماماً، فيها الفيلة، وفيها أنهار، وفيها غطاء نباتي وغابات “سافانا”.. وكالة “ناسا” مؤخراً كشفت عن أنهار كانت موجودة في الجزيرة العربية وبحيرات عذبة، وكان فيها الطقس مثل أوروبا وأفضل أيضاً.. سبحان الله! ﴿ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [ آل عمران: 140]
طيب، بالنسبة لهذه الظاهرة أيها الأحبّة في أوروبا، بعض الناس يقول هي ظاهرة طبيعية.. لا، ليست ظاهرة طبيعية! لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ﴾. الله يا هذا الإنسان أصلح لك هذه الأرض ووضع لك المقاييس الدقيقة بالنسب الدقيقة؛ نسبة البحر إلى البر، ونسبة الأكسجين إلى النيتروجين إلى غاز الكربون إلى آخره.. فعندما عبث الإنسان وأكثر من الحروب وأكثر من التجارب المتعلقة بالسلاح والتفجيرات وهذه الحروب العبثية، وكذلك هذه الاختراعات والتكنولوجيا المتعلقة بالصواريخ والطائرات والسيارات.. كلها تبث — كما قلنا — الملوثات باستمرار والتي تحبس داخل هذا الغلاف الجوي الذي هو أشبه بسقف نحتمي به. الغلاف الجوي هو سقف للأرض ﴿ وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا ۖ وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [ سورة الأنبياء: 32]

فهذا السقف تم تلويثه وتم ملؤه بالملوثات وبغاز ثاني أكسيد الكربون بنسبة عالية جداً وغير مسبوقة تاريخياً، لذلك أصبح هذا السقف يحبس الحرارة التي هي بسبب أيدي الناس: ﴿ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾.. ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ﴾. وأيضاً هناك فساد في البحر من خلال التلوث، ومن خلال كميات هائلة من البلاستيك موجودة في البحر؛ آلاف المخلوقات البحرية تنقرض وتموت باستمرار، هناك موت لكثير من الكائنات وأجناس تنقرض.. فإذاً هنا أيها الأحبّة لماذا حصل ذلك؟ ﴿ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا ﴾؛ إذاً هذا نتيجة ما كسبته يداك أيها الإنسان.
يعني أوروبا عندما تطورت مادياً كثيراً، ولكن اجتماعياً المجتمع مفكك، ليس لديهم زواج.. يعني نصف المجتمع لديهم أولاد غير شرعيين؛ مثلاً في أوروبا أكثر من 40 بالمئة نسبة الأولاد غير الشرعيين، في السويد أكثر من 50 بالمئة أولاد غير شرعيين! بالإضافة إلى أنهم ابتعدوا عن الله سبحانه وتعالى.. فكانت النتيجة أن هذا إنذار من الله ليعودوا إلى الله: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾.. ﴿ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾.
طيب، أنا كَمُؤْمِنٍ الآن أراقب وأرى مثل هذه الظاهرة.. أولاً ينبغي أن نَسْأَلَ الله سبحانه وتعالى وَنَسْتَعِيذَ من شر هذه الحرارة، لماذا أيها الأحبّة؟ لأننا لسنا ببعيدين عن أي كارثة ما؛ نحن ضمن قرية صغيرة هي الكرة الأرضية، فكلنا معرضون لزلزال أو لكارثة احتباس حراري شديد يقضي على الكائنات والنباتات وعلى البشر.. حتى معرضون للكثير من هذه الظواهر المدمرة.
فدائماً نبينا عليه الصلاة والسلام كان يستعيذ بالله من شر كل شيء، يعني كان دائماً يستعيذ بالله ويقول: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ»، وكان يقْرَأُ المعوذتين صباحاً ومساءً وفي الصلوات وبشكل دائم: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴾، ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴾.. لن ينقذك من الشر إلا الله سبحانه وتعالى، فالحل الأنسب أن تبقى مع الله أخي الحبيب، وأن تسلم أمْرك إلى الله، وأن تعلم أنه لن تموت نفس — كما قال النبي عليه الصلاة والسلام — حتى تستكمل رزقها.
لذلك أيها الأحبّة، في آخر هذا اللقاء أسأل الله سبحانه وتعالى أن نأخذ العبرة من هذا المشهد الذي نراه، وبنفس الوقت ندعو بدعاء سيدنا يونس عليه السلام: ﴿ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾، ودائماً نسأل الله سبحانه وتعالى أن يقينا عذاب الآخِرَة؛ فعذاب الدنيا هذا شيء سهل.. لا شيء! لذلك كان من أكثر دعاء النبي عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ يقول: ( اللَّهُمَّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ) .. اِحْفَظُوا هذا الدعاء أيها الأحبّة وأكْثِرُوا منه عندما ترى حرارة زائدة وترى أن هذه الشمس التي تمنحنا الحياة بإذن الله تحولت إلى قاتل صامت.. اُدْعُوا الله أن يقيكُم من حرارة نار جهنم!

يعني اليوم الحرارة في أوروبا 40 أو 44°C.. لا شيء! حرارة جهنم كم والعياذ بالله؟! عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (نَارُكُمْ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً. قَالَ: فُضِّلَتْ عَلَيْهِنَّ بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا) .. يعني النار هذه التي نوقدها (1000°C مئوية أو 1100 أو 1200°C) هي جزء من 70 جزءاً من نار جهنم! فكيف سيتحمل عذاب الله هذا الإنسان الكافر الغافل الناسي لله سبحانه وتعالى؟! لذلك نعود إلى الله عز وجل وَنَسْأَلُهُ دائماً أن يقينا عذابه ونقول: ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾.. النبي كان دائماً ما يدعو بهذا الدعاء، وكان دائماً يدعو ويقول: ( اللَّهُمَّ قِنَا عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ) .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يمكنكم مشاهدة الفيديو من خلال الضغطج علي هذا الرابط :-




