» أسرار الإيمان واليقين

كيف تتدبر القرآن بطريقة صحيحة في ليالي رمضان

كيف تتدبر القرآن بطريقة صحيحة في ليالي رمضان؟ وماذا يحدث إذا تدبرت كل يوم عدة آيات لمدة ثلاثين يومًا خلال رمضان؟ وهل صحيح أن كل من لا يتدبر القرآن قلبه مقفل أمام ذكر الله؟

اليوم، أحبتي في الله، سنتأمل معنى التدبر، ولماذا أمر الله به، والطريقة الصحيحة لتدبر القرآن، وماذا يحدث عندما تتدبر كتاب الله. وسأبث لك تجربتي الشخصية مع هذا الموضوع لتستفيد منها بإذن الله، حتى يتبين لك أنه الحق.

كثير من الناس يغفل عن موضوع مهم جدًا نزل القرآن من أجله؛ فالقرآن لم ينزل ليوضع على الرفوف في المكتبات أو السيارات، ولم ينزل لنقرأه كالببغاوات، ولم ينزل لمجرد التبرك أو طلب الاستشفاء فقط. كل هذا مطلوب أيها الأحبة: فالقراءة مطلوبة، والتبرك مطلوب، وطلب الشفاء مطلوب، والحفظ مطلوب، والتلاوة والاستماع كلاهما مطلوب، ولكن هناك أمر هو الأساس الذي أراده الله منا؛ يقول سبحانه وتعالى: ﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ ص: 29].

إذن، ما هو التدبر؟ هل هو التفسير؟ لا. هل هو مجرد فهم المعاني؟ طبعًا لا. التدبر شيء أعمق بكثير من التفسير أيها الأحبة؛ لأن التفسير ببساطة هو فهم معاني الآيات وأسباب نزولها وسياقها اللغوي، أما التدبر فهو أن تسأل نفسك: لماذا أنزل الله هذه الآية؟ ولماذا خاطبني بها؟ فعندما يقول تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [ البقرة: 153]؛ ما معنى أن الله مع الصابرين؟ كيف أشعر بمعية الله؟ كيف أصل إلى مستوى أستيقن فيه أن الله معي في كل لحظة؟

هذا الشعور لا يأتي إلا نتيجة التدبر والتعمق والفهم الواعي لآيات القرآن. لماذا كان الله مع الصابرين؟ ولماذا شرع الله الصبر ابتداءً؟ لماذا لم يجعل الدنيا دار ترف ومال ومتعة بلا كدر؟ لماذا يبتلي الله من يحب؟ كل هذه المعاني تقع في صلب التدبر. فنبينا عليه الصلاة والسلام كان أشد الناس بلاءً، وكان يقول: «إن عِظَمَ الجزاءِ مع عِظَمِ البلاءِ، وإنَّ اللهَ إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم»، وجاء في الحديث: «مَن يُرِدِ اللَّهُ به خَيْرًا يُصِبْ منه» سواء بمرض أو ضيق أو بلاء.

لذلك أخي الحبيب، تجربتي مع التدبر هي أن حياتي تغيرت بالكامل؛ عقلي أُعيدت برمجته نتيجة تدبر القرآن. قد تجد إنسانًا يحفظ القرآن ولكنه منافق، أو آخر يحفظه ويرتكب الفواحش، أو يأكل أموال الناس ويتاجر بالدين؛ وكل هذا بسبب غياب التدبر.

فما هي الطريقة الصحيحة للتدبر؟ استمع معي أخي الحبيب إلى هذه الآية الكريمة: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾؛ لم يقل تعالى: «يا أيها الذين آمنوا تدبروا القرآن»، بل استفتح باستفهام إنكاري: ﴿أَفَلَا﴾، وهذا يدل على قلة المتدبرين، تمامًا كالآية الأخرى: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ إشارة إلى انغماس كثير من الناس في الغفلة وقلة العائدين التائبين. فقوله تعالى: ﴿أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ تنبيه مهيب، كأن المعنى: من أعرض عن تدبر القرآن حُبس قلبه خلف أقفال تمنع نور الذكر من النفوذ إليه.

لذلك، أعتبر قضية التدبر من أعظم القضايا في حياة المؤمن؛ لأنك بغير تدبر لن تعرف الله حق المعرفة، وكيف تعرف الله إن لم يكن من كلامه؟ التدبر فيه شفاء؛ تستشفي بالقرآن حين تفهم مراد ربك. فحين تقرأ قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾، ثم يستقر في يقينك أن الله معك وقريب منك، فإنك تستغني بهذا الشعور عن الخلق أجمعين.

الطريقة الصحيحة في التدبر هي أن تعيش الموقف ومعنى الآية بقلبك؛ فمثلًا حين كان النبي ﷺ في أصعب موقف يمكن أن يمر به إنسان، داخل الغار، والمشركون على مقربة منهما حتى حزن صاحبه أبو بكر رضي الله عنه خوفًا عليه، ماذا قال له النبي ﷺ؟ قال: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾. هذه الآية نسمعها كثيرًا، لكن كم منا وضع نفسه مكان الصديق واستشعر هذه المعية الحقيقية؟ القرآن نزل لنا جميعًا، ولم تنقضِ عبره بانقضاء زمن الصحابة؛ فالخطاب موجه إلى قلوبنا.

حين يصيبك هم أو غم أو كرب، هل تستحضر أن الله معك يراك ويسمعك ولن ينساك؟ هل تشعر بمعنى قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾؟ هل تشتاق إلى لقاء الله حين تقرأ: ﴿مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾؟ هل هذا الرجاء حاضر في وجدانك كأعظم غاية تنتظرها، أم أن جل انتظارك منصب على حطام الدنيا وأخبار البشر؟

كل من قرأ القرآن مرات ومرات ولم تلامس هذه المعاني وجدانه، ولم ينعكس أثرها على سلوكه وسكينته، فهو لم يتدبره حق التدبر بعد. التدبر يتطلب أن تفرغ قلبك ووقتك لله، وأن تجعل رغباتك تابعة لأمره؛ فتحب الصلاة، وتأنس بالصيام، وتسكن بذكر الله.

لو تدبرت كل يوم عشر آيات وفهمت مرادها وأسقطتها على واقعك، لكان ذلك خيرًا عظيمًا. ونصيحتي لك في شهر رمضان المبارك، على مدار أيامه المباركة، أن تجعل لنفسك وردًا من عشر آيات تتدبرها يوميًا؛ تفهم معناها أولًا، ثم تكرر الآية وتتأملها مرات ومرات حتى تختلط بوجدانك. وحينها ستلاحظ تغيرًا حقيقيًا في قناعاتك، ونظرتك للحياة، ومفهومك للسعادة والابتلاء.

اقبل على كلام ربك سائلًا إياه الهداية والفهم؛ فالعلم منة من الله يؤتيه من يشاء، كما آتاه الله العبد الصالح الخضر حين قال: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾، واصبر على طريق التعلم كما صبر الأنبياء. كلما انكسرت بين يدي الله ودعوته أن يفتح على قلبك، وجدت الإجابة؛ فهو القائل سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾.

نسأل الله عز وجل أن يعيننا وإياكم على تدبر كتابه العظيم والعمل به، وأن يرزقنا قربه ومحبته، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


يمكنكم مشاهدة الفيديو من خلال الضغط علي الرابط : –

 

تحميل كتب الإعجاز العلمي

صفحتنا الجديدة على فيس بوك