ارتكبتُ ذنبًا عظماء وتبتُ إلى الله والحمد لله، ولكن حتى الآن لا أزالُ أشعر بعقدة الذنب، وأشعر أن الله لا يغفر لي، وأشعر أنني مقصر وفي حالة ندم مستمر، فماذا أفعل؟ ماذا أفعل؟…………
هذا السؤال أيها الأحبة يحدث كثيرًا مع كثير من الناس، وربما أنت حدث معك هذا الأمر. ذنب عظيم نتيجة اتباع الشهوات، ونتيجة وساوس الشيطان، ونتيجة وسوسة النفس، يعني ظروف خارجة عن إرادتك، ضعف النفس هذا جعل الشيطان يتسلط على الإنسان فارتكب ذنبًا عظيمًا جداً. ومع أنه تاب وأقلع عن الذنب وانتهينا، ولكن لا يزال هذا الذنب يحاصره ويلاحقه في كل مكان.

فهل هناك علاج؟ نعم، ولكن قبل العلاج يجب أن نعلم ما الذي يحدث، ولماذا هذا الإحساس؟ انظر أخي الحبيب، الشيطان يريد أن يشعرك بالحزن. هناك علاقة بين الشيطان وبين الحزن؛ فالإحساس بعقدة الذنب والإكتئاب حالة تجعلك تكره الحياة.
الحزن كلمة خطيرة ذُكرت في القرآن، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يستعيذ بالله من شرها، وهذا الدعاء هو جزء من العلاج. قبل أن نكمل، خذ هذا الدعاء واكتبه واقرأه كل يوم سبع مرات أو أكثر: ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ، وَالعَجْزِ وَالكَسَلِ، وَالبُخْلِ وَالجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ) .

فعلاً، الذي يرتكب ذنبًا ويسيطر عليه هذا الذنب يشعر بالعجز، وقد يعطل حياته، ومن كثرة التفكير قد يعطل أشغاله. وأيضاً يُستعاذ من فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال. فهذا أخي الحبيب دعاء جيد جداً، أنا أراه كعلاج، ادعُ الله به كل يوم وسوف ترى عجباً إن شاء الله.
ما الدليل على أن هذا الحزن من الشيطان؟ هذا الحزن الشديد، يقول سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [المجادلة: 10]. عندما يخلو الإنسان بنفسه يبدأ الشيطان بمناجاته، يعني يوسوس له، وتبدأ الأفكار تدور في رأسه. ما هو الهدف؟ قال: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ – دقق معي هنا – ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. إذاً، الشيطان يوجّه هذه النجوى وهذه الوسوسة ليصيبك بالحزن والإكتئاب وعقدة الذنب وغير ذلك.

طيب، ماذا قال تعالى في نفس الآية؟ ﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
طيب ما هو الحل؟ كيف أتخلص يا رب؟ يأتيك الحل، انظر كيف تلخص لك الآية المشكلة والسبب والعلاج، هذه قوة القرآن وهذه عظمة القرآن. ما هو العلاج؟ ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. يا سلام! انظر إلى روعة القرآن! سأعيد هذه الآية والله، آية تريح القلب، يعني أنا شخصياً ارتحت: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾.
هذه النجوى والوسوسة، يعني الإنسان أحياناً يخلو بصديق يناجيه مناجاة بين خِلٍّ وخليله، يخلوان ببعضهما ويبتعدان عن الناس ويبوحان بأسرارهما، هذه تسمى نجوى ومناجاة. وأحياناً يكون الإنسان وحيداً وتبدأ هذه المناجاة والوساوس، فمن أين مصدرها؟ قال: الشيطان! ﴿إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾، يعني هذه الوسوسة التي تأتيك وهذه الأفكار التي تتكرر وتجعلك تشعر أحياناً بالخوف والحزن والإكتئاب والهم وعقدة الذنب، ما مصدرها؟ الشيطان! يقول لك هذا هو الشيطان ﴿إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾.

طيب لماذا؟ ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ثم طمأنك قبل أن يعطيك العلاج، قال: ﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، يعني لا تخف، هذه الوساوس لن تضرك إلا بإذن الله، وهذه المخاوف لن تضرك إلا بإذن الله، قد تخاف من شيء في المستقبل ولن يضرك إلا بإذن الله.
طيب ماذا أفعل أنا كمؤمن؟ ما هو العلاج؟ يقول في آخر الآية: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، إذاً العلاج هو التوكل. لاحظ عظمة القرآن!

فإذاً أيها الأحبة، قلنا العلاج لهذه المشكلة: أولاً علمنا أن الشيطان هو المصدر. لماذا الشيطان؟ الشيطان يأتيك يقول لك: كيف ارتكبت هذا الذنب؟ ليصيبك بنوع من الوسواس، ولماذا ارتكبت؟ وهل غفر الله لك؟ لا، لم يغفر لك! هل ممكن ألا يغفر الله لي؟ هل أنا سأدخل النار؟ هل.. هل.. هل..؟ يستحوذ عليك فينسيك الصلاة والعبادات والعمل، فتجد نفسك عاجزاً أمام هذا الشيطان وأمام هذه الأفكار.
لذلك هنا تأتيك الآية الثانية التي تقول: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ [المجادلة: 19]. إذاً الشيطان يقوم بهذه النجوى والوسوسة حتى يستحوذ عليك بالكامل ويسيطر عليك فينسيك ذكر الله.
وبالتالي أخي الحبيب، هنا أنت ينبغي عليك ألا تنخدع بهذا الشيطان، يجب أن تكون قوياً وتتوكل على الله، والله وهو أصدق القائلين وعدك بمغفرة الذنب. وهذه الآية هي صميم العلاج الآن التي ساقولها احفظها أيضاً: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53].

“قل” يا محمد، اخبرهم وقل لهم: يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم. والله سبحانه وتعالى وضع لك “قل” لتتخيل أن النبي عليه الصلاة والسلام هو الذي يخاطبك، كأنها رسالة من الله إليك عبر أحب مخلوق إلى قلوبنا وهو النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ لا تيأسوا يعني، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
من لا يؤمن بهذه الآية فليراجع إيمانه! يعني ما دام الشيطان يقول لك إن الله لم يغفر هذا الذنب لأنه عظيم، فأنت بهذه الأفكار تناقض الآية الكريمة، إذاً أنت لا تصدق الله وتصدق الشيطان! كأنك تكذب كلام الله -أسأل الله العافية- لأن الله يقول لك: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، انتهينا! يعني مهما كان هذا الذنب مهما كان.

﴿أَسْرَفُوا﴾ ما معنى أسرفوا؟ يعني ارتكب كل أنواع الزنا والفواحش وأكل الحرام وأذى الناس وظلم وارتكب الموبقات وكلام الزور والكذب والنميمة والتجسس وكل ما تتخيله ارتكبه ولكن باسراف. ما معنى إسراف؟ يعني ارتكب أسوأ نوع من أنواع الزنا، وأسوأ نوع من السرقة، وأسوأ نوع من الكذب، وأسوأ شيء في كل هذه الذنوب أسرفوا. إسراف يعني مبالغة في الحد، ومع ذلك قال لك: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ بمجرد التوبة؛ تقول: “أستغفر الله العظيم وأتوب إليه” وتنقي قلبك، انتهينا! لا يوجد ذنب!

إذاً هذه الآية في نظري علاج لعقدة الذنب، ويجب أن تعتقد أيضاً ليس فقط أن ذنبك غُفر، بل يجب أن تستيقن أن السيئات التي ارتكبتها قد أبدلها الله حسنات إن شاء الله. يتحدث في سورة الفرقان في أواخرها عن قول الزور والزنا والقتل والشرك والإلحاد، تصور الإلحاد يعني ذنب عظيم، رغم ذلك قال: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ ثلاثة شروط: التوبة، والإيمان، والعمل الصالح، وانت تقوم بها الآن إن شاء الله. ما هي النتيجة؟ ﴿فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الفرقان: 70].
نسأل الله عز وجل أن يغفر لنا جميعاً وأن يبدل سيئاتنا حسنات، إنه سميع قريب مجيب.
يمكنكم مشاهدة الفيديو من خلال هذا الرابط : –




