ماذا يفعل من ابتُلي بموت الأب والابن؟ ماذا يفعل من يشعر بالوحدة؟ ماذا يفعل من يشعر بالتعاسة بعد موت من أحب؟ ماذا يفعل من فقد أحبته، وبخاصة في هذه الحروب، وهذه الأحداث، وهذه الأمراض والأوبئة؟
الحقيقة يا أخي الحبيب، هناك آية تعالج لنا هذه القضية بصورة رائعة جدًا؛ تشعرك بالفرح والسعادة والسرور، وتشغف قلبك بقوة الإيمان؛ لأنك تستمد القوة من الله سبحانه وتعالى. هذه الآية أكررها دائمًا، وأرجو أن تحفظها؛ لأنني أسميها «آية البلاء الشديد».

وهناك حديث نبوي شريف، من أجمل الأحاديث وأكثرها تبشيرًا، يقول فيه النبي ﷺ: «إنَّ العَبْدَ إِذَا سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللهِ مَنْزِلَةٌ لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ…».
دعونا نقرأ الآية أولًا؛ يقول الله سبحانه وتعالى:
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ [ البقرة: – 155-157]
«بشيء من الخوف»: عدم اطمئنان، خوف من المجهول، خوف من الغد… خوف إنسان فقد أباه، أو فقد ابنه، أو امرأة فقدت زوجها؛ فيصبح في حالة ضعف شديد وخوف من المستقبل، بعد أن كان يعتمد عليهم وأصبح وحيدًا.
«ونقص من الأموال والأنفس والثمرات»: فقدان الأحبة أحيانًا يفقدك مصدرًا للرزق، ونقص الأنفس هو موت إنسان عزيز عليك.

ولكن ماذا يقول سبحانه وتعالى لمن ابتلاه بهذا البلاء العظيم؟ ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.
كيف أعلم أنني من الصابرين؟ يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
الموت حق، ولكن البلاء قد يأتي مفاجئًا فتكون صدمته شديدة، والقرآن سماه «مصيبة الموت»؛ فهي من أعظم المصائب التي تواجه الإنسان. علاجك يكمن في الإكثار من الاسترجاع: «إنا لله وإنا إليه راجعون»، كررها مئة مرة، ألف مرة، رددها بيقين.
ما هي النتيجة؟ ﴿أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾؛ صلوات تعني كل معاني الرحمة، والحفظ، والحماية، والطمأنينة، واستغفار الملائكة لك، وأن يشملك الله برعايته ويبدلك بالحزن فرحًا وسكينة: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58].

ثم اعلم أن من توفاه الله من الصالحين — سواء كان أبًا أو أمًا أو ابنًا أو أخًا — ينتظرك في جنات النعيم: ﴿ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [ آل عمران: 170] هو في استبشار، والواجب عليك في الدنيا أن تكثر له من الدعاء والصدقة وقراءة القرآن وهبة ثوابها له؛ فالحزن الشديد والاكتئاب لا ينفعانه، وإنما ينفعه العمل الصالح: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». نعم، يحزن القلب حزنًا فطريًا ويدمع، ولكن دون سخط أو يأس.
أما الحديث الذي يُثلج الصدر، فيقول فيه النبي ﷺ:
«إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ، ابْتَلَاهُ اللَّهُ فِي جَسَدِهِ أَوْ فِي مَالِهِ أَوْ فِي وَلَدِهِ، ثُمَّ صَبَّرَهُ عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى يُبْلِغَهُ الْمَنْزِلَةَ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى».
هذه بشرى لكل مبتلى في جسده بمرض مزمن، أو في ماله بضيق وركود، أو في ولده بفقده أو عقوقه؛ إنها علامة على أن الله كتب لك منزلة رفيعة في الجنة قصرت عنها أعمالك، فأراد أن يرفعك إليها بصبرك ورضاك. وفي الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي»؛ فأحسن الظن بالله دائمًا؛ إن ظننت به الرحمة والمغفرة والفرج أتاك به.

العطاء الأوسع في الدنيا هو الصبر، كما قال ﷺ: «وما أُعطي أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر». فإذا ابتُليت وأعانك الله على الصبر، فاعلم أنها منزلة رفيعة، والابتلاء في الدنيا أخف بكثير من عذاب الآخرة: ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ ۚ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [ البقرة: 175]

جوابي لكل سائل ومبتلٍ:
العلاج هو الصبر، والاسترجاع «إنا لله وإنا إليه راجعون»، وحسن الظن بالله. لا تترك مجالًا للشيطان كي يوقعك في الاكتئاب واليأس؛ فإنما ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [ البقرة: 268]، و ﴿ إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [ المجادلة: 10]

عليك بذكر الله، وترديد: «لا حول ولا قوة إلا بالله» فإنها كنز من كنوز الجنة، والإكثار من الدعاء والصدقة لمن فارقك؛ فهذا ما ينفعك وينفعه في قبره وفي الآخرة بإذن الله. ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [ فصلت: 53]
يمكنكم مشاهدة الفيديو من خلال هذا الرابط : –




